عبد الله علي صبري يرحب بكم

الليبرالية

مايو 25th, 2006 كتبها abdulla sabari نشر في , حدود الليبرالية في مجتمع اسلامي

حدود الليبرالية في مجتمع إسلامي

عبد الله علي صبري

 

ورقة مقدمة إلى ملتقى الإسلام والإصلاح الثاني – القاهرة 17-20/مايو /2006 م

 

 

إذا بدأنا بتفكيك العنوان أعلاه، ستبرز أمامنا أكثر من إشكالية لا تقتصر على مفهوم الليبرالية، وحدودها، وآفاقها، بل تشمل إشكالية الموقف الإسلامي من الليبرالية، وانعكاس هذا الموقف على الحالة السياسية والثقافية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.       

وبرغم أن الليبرالية دائماً ما تقرن بالديمقراطية، إلا إن معانيها ودلالاتها تتجلى كذلك            في اقتصاد السوق واحترام العقل، وتمجيد الحرية والمساواة       .                  

وعليه يمكن القول ابتداءً أن قيم الليبرالية تتوافق إلى حد كبير مع القيم والمبادئ الإسلامية، ما يعني إمكانية تبيئة الليبرالية في مجتمعاتنا، والاستفادة منها في النهوض والتنمية والانعتاق من الاستبداد والتخلف المتجذر في حياتنا اليومية.          

 بيد أن المشكلة ليست بهذه البساطة، فعوضاً عن التحفظات التي يمكن تسجيلها حول الليبرالية، هناك في المقابل ثقافة تقليدية ماضوية تكاد تفرض على مجتمعاتنا قطيعة شاملة مع الغرب بحلوه ومره. وما يؤسف له أن هذه الثقافة ترتدي لباس الدين في أمة يعتبر الإسلام جوهر حضارتها وثقافتها بل وهويتها أيضا.   

               

 نقد الليبرالية

 تبلورت الاعتراضات والتحفظات التي قوبلت بها الليبرالية في إطار الصراع السياسي –         الثقافي بين المعسكرين الشرقي والغربي إبّان الحرب الباردة، فيما قاومت العديد من            البلدان النامية ليبرالية الغرب لارتباطها بالإمبريالية الاستعمارية.                                                

 وإضافة إلى ذلك ، فإن الدول العربية التي تعاطت مع الليبرالية اكتفت باستلهام  شكل الدولة في الغرب ، لكن الأداء ظل – وما يزال – مشدوداً إلى الاستبداد والعصبية والقمع ومصادرة الحريات ، الأمر الذي انعكس على الموقف من الليبرالية ذاتها ، ومهدّ هذا الموقف للتحول الجماهيري إلى ما يعرف بالصحوة الإسلامية .                      

ومن منطلقات ورؤى إسلامية، برزت اتجاهات شعبية مناهضة للديمقراطية، والعلمانية، والليبرالية، وكل القيم الآتية من الغرب، فعلى سبيل المثال يربط بعض الفقهاء  بين الديمقراطية الليبرالية والعلمانية على اعتبار أن العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة، وتقود إلى عزل الإسلام عن الدولة، وعن توجيه الحياة العامة، وعن قيادة المجتمع.             

وفي المجال الاجتماعي يعزو بعض الفقهاء انتشار الفساد والمجون والانحلال الخلقي إلى الليبرالية التي يعتقدون أنها فشلت في الحفاظ على أخلاق الأمة وقيمها الرفيعة.                     

وفي محيطها الغربي تتعرض الليبرالية لانتقادات متزايدة بسبب موقفها الرافض لدور الدولة في حماية مواطنيها – ضحايا توحش الرأسمالية التي ازدادت ضراوة في ظل العولمة الاقتصادية، وهيمنة القطب الواحد على النظام العالمي الجديد. وفي الوقت الذي تفسح فيه الليبرالية المجال للرأسمالية، ورجال الأعمال لاستثمار أموالهم بما يحقق لهم الربح، فإنها تحول دون تدخل الدولة لتطبيق العدالة أو تحقيق التوازن، بحجة أن أي تدخل من هذا النوع يخل بآليات  السوق!!                                             

السياسات الليبرالية العربية في المجال الاقتصادي تعرضت أيضاً للفشل، فالدولة العربية – وفقاً لبرهان غليون – عملت على تكوين أرستقراطية مالية جديدة، وتكريس سيطرتها بعملية تفريغ مستمر ومضطرد للدولة الوطنية من مضمونها، أي من مفاهيم المواطنة والمساواة والعدالة والتضامن الجمعي أو القومي. وهو ما يفسر العودة القوية إلى العصبيات ما قبل السياسية، الطائفية والقبلية والعائلية، وكذلك تكريس قانون القرابة والولاء والانتماء الخاص والتمديد له إلى ما لا نهاية. وهذا ما يفسر أيضاً نشوء رأسمالية مقيدة ومحكومة بالتوازنات العشائرية والسياسية والأمنية، وبالتالي مفتقرة بالضرورة للحيوية والشفافية والمنافسة القانونية.                     

 

 

الإسلام والحرية والعقلانية

القول بأن هناك توافقا كبيرا بين الليبرالية والإسلام لا يخلو من مجازفة تجلب لصاحبها هجوماً مضاداً مصحوباً بشحنة تكفير إرهابية طالما تعرض لها المغردون خارج السرب من ذوي الآراء الحرة، والاجتهادات العقلانية الباحثة عن مشترك إنساني باتجاه الرشد البشري القائم على الحرية، والتسامح، والعقلانية، واحترام الآخر. وهذه المفردات التي تستفز الجماعات التكفيرية تمثل – في نظري – قاسماً مشتركاً بين صحيح الإسلام والليبرالية.                                                         

قد لا تجوز المقارنة بين الإسلام كدين، وبين الليبرالية كمنهج وضعي، لذا أجدني ميالاً إلى البحث في قيم الليبرالية، ومدى توافقها مع القيم الإسلامية، وفي المقدمة منها الحرية والعقلانية وسيادة  القانون .                                                                     

في العلاقة بين الحرية والدين يشير محمد خاتمي إلى تيارين احدهما يدعو إلى ضرورة ضرب الحرية لصالح الدين، والآخر يقول بضرورة إقصاء الدين لصالح الحرية. ويرى خاتمي أنه لو حصل الوفاق بين الدين والحرية فيمكن حينئذ تدشين عصر جديد في حياة الإنسانية.        

من جهته يؤصل جودت سعيد لهذا التوافق المنشود، حيث يؤكد أن الحرية في الإسلام مبنية على مبدأ اللا إكراه في قوله تعالى " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " فكما لا إكراه في الدين، لا إكراه في السياسة. والدين الذي يفرض بالإكراه ليس بالدين، والسياسة التي تفرض بالإكراه ليست بالسياسة. ومن قبل لا إكراه في الدين فقد قبل الرشد ودخل مجتمع الرشد، والذين يقبلون لا إكراه في الدين يكتسبون حقوق المواطنة على اختلاف أديانهم وعقائدهم .

  وللتأكيد على مكانة الحرية في الإسلام يذهب جمال البنا  إلى أن آيات القرآن الكريم عن حرية الفكر والاعتقاد قد تبلغ مائة آية كلها تقرر أن من آمن فلنفسه، ومن كفر فعليها، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وأنه لا إكراه في الدين، وأن الرسول وهو الداعي إلى الإسلام ليس عليه إلا البلاغ، ولكنه ليس حفيظاً و لا مسيطراً و لا جباراً ولا حتى وكيلاً عن الناس. كما يؤكد البنا أن القرآن تحدث عن المرتدين عدة مرات بدون أن يوجب عليهم عقوبة دينية، ولم تظهر حكاية المرتد واستتابته إلا في مرحلة لاحقة، وعلى أيدي الفقهاء الذين أصدروا أحكامهم بدعوى حماية العقيدة، وبتأثير النظم السياسية الطاغية.                    

وإلى جانب الحرية يدعو الإسلام إلى التفكر في الكون، والتدبر في آيات الله، والعمل وفقاً للسنن الكونية. كما حثت آيات القرآن الكريم على الفهم وإعمال العقل في أكثر من موضع، ثم إن العقل في الإسلام محل التكليف، ومحل تكريم بني آدم أيضاً، وبه يمتازون عن بقية المخلوقات، فلا يجوز شرعاً تعطيل العقل والافتئات عليه.                                 

   والذين يقولون بتقديم النص الديني، على العقل يتناسون أن التسليم لله وبما أنزل الله هو في النهاية موقف عقلاني، لأن الإيمان بالله يستوجب الإيمان بما أنزل الله، والإيمان بوجود الله يقوم على العقل والفطرة السليمة قبل أي شيء آخر، كذلك الأمر بالنسبة للإيمان بالوحي


المزيد