عبد الله علي صبري يرحب بكم

في ذ كرى جار الله عمر

يناير 27th, 2007 كتبها abdulla sabari نشر في , الحرية الدينية

حلت الذكرى الرابعة لاغتيال الشهيد جارالله عمر، والعراق يشهد تداعيات دامية، تؤكد من جديد أن الجسم العربي المثخن بالجراح ما يزال عقله مشدوداً إلى التراث وتاريخ السلف في ماضوية تجتر معها الصراعات والعداوات التي ترتدي عباءة الدين، وترتد بالعرب إلى الحالة العشائرية المفتقدة لآليات إدارة الاختلافات فيما بينها.

ما العلاقة إذاً بين اغتيال جارالله عمر ومستقبل العراق؟!

يدرك المتابع للمشهد العراقي أن الاختلاف السياسي هناك الذي يأخذ طابعاً مذهبياً عنفياً، وبات يلقي بظلاله على مستقبل المنطقة، يعكس في أحد جوانبه ثقافة لا تسامحية تغذيها افكار متطرفة تعبر عن نفسها على النحو الذي نسمعه ونشاهده على مدار الساعات الاخبارية، كذلك فإن عملية اغتيال جارالله عمر تعكس في أحد جوانبها ثقافة عدوانية لا تسامحية تستند إلى فكر متطرف يدعي وصلاً بالإسلام وهو منه براء!

ومع بداية العملية السياسية في ظل الاحتلال الأمريكي، كان السؤال:

هل يتجه العراق نحو الإسلاموية أم العلمانية؟

وها قد ألقت الإسلاموية بظلالها على المشهد السياسي العراقي في هذه المرحلة، فأفرزت تعصباً طائفياً دموياً مقيتاً، أسوأ مما شهدته الجزائر، ولما تتعافا منه بعد. ومشكلة المستنقع العراقي، أنه قابل للتصدير إلى جواره العربي المنقسم مذهبياً وطائفياً وعشائرياً، فالاختلاف السياسي في لبنان على سبيل المثال يخشى عليه من اندلاع شرارة الفتنة المذهبية!، وما الاقتتال الدموي الفلسطيني – الفلسطيني إلا الوجه الآخر للثقافة العنفية المتفشية في منطقتنا العربية.

ولما كان التطرف الديني مرتبطاً بالتطرف السياسي، فإن التوظيف السياسي للدين قد انتج جماعات إرهابية تتعسف النصوص الدينية، وتتخذها ذريعة للقتل وسفك الدماء، ونشر الرعب وإرهاب الناس، حدث ذلك في القرن الأول الهجري، ويحدث اليوم في العصر الذي يفترض أن البشرية في طريقها إلى الرشد.

المزيد


الحرية الدينية

نوفمبر 22nd, 2006 كتبها abdulla sabari نشر في , الحرية الدينية

الحرية الدينية من منظور اسلامي

17/10/2006

عبد الله علي صبري:

تطبق اليوم بالعالم الإسلامي ظلمات شديدة، فلا يكاد يخرج من محنه حتى يدخل أخرى أسوأ من سابقتها، وفيما الأمم تتحفز من حولنا للنهوض، والتطور يظل عالمنا الإسلامي محاصراً في دائرتي العجز، والتخلف ، وقلما يظهر بصيص أمل هنا أو هناك.
أحداث الحادي عشر من سبتمبر ضاعفت أزمة المسلمين، وحاصرتهم بتهم العنف، والتطرف والإرهاب، وأعادتهم تحت وطأة الاستعمار من جديد بدءً بأفغانستان ثم العراق فيما تتوالى التهديدات على سوريا وإيران…. في الوقت الذي لا زالت فيه القضية الفلسطينية محلك سر… وبينما كان من المؤمل في الأقطار الإسلامية أن تخطوا حثيثاً نحو التقارب، والتوحد نجد الفجوة تزداد هوة واتساعاً…. غير أن الأخطر من ذلك أن الانقسامات، والاختلافات باتت تتهدد كل قطر إسلامي على حده، إذ عملت قوى الهيمنة الكبرى -ولا تزال- على إذكاء مشكلات الطوائف، والأقليات، فاشتعلت المنطقة، وباتت الوحدة الوطنية لمعظم الأقطار العربية والإسلامية في مهب الريح.
ليس السؤال: كيف اشتعلت هذه المشكلة؟ ولا لماذا اشتعلت الآن؟ إنما السؤال: لماذا وقع المسلمون في هذا الفخ؟ ولماذا تبدو مشكلات الأقليات الدينية عصية على الحل؟ والجواب غير متيسر في عجالة كهذه، ومع ذلك فمناقشه الموضوع تبدو مفيدة، وضرورية في آن، غير أني سأقصر محاولتي هنا على مشكلة الحرية الدينية في عالمنا الإسلامي…. كيف نظر إليها الإسلام وكيف تعامل معها المسلمون تاريخياً، ولماذا أضحت مشكله معاصرة تدمي الحاضر وتهدد المستقبل؟!

التوحيد أولاً
سجل الرسول محمد عليه الصلاة والسلام مع الرعيل الأول من صحابته الطاهرين أروع ملاحم التضحية، والفداء لانتزاع حق "التدين" بالإسلام، ومغادرة الجاهلية، وعبادة الأصنام، ورغم عوامل الترغيب، والترهيب التي كانت تترى على الرسول، وصحبه، إلا أنه رفض التنازل عن دعوته، وعقيدته.
وفي سبيل "توحيد الله" ونبذ عبادة ما سواه، اضطر المسلمون إلى الهجرة، فكانت هجرتهم الأولى إلى الحبشة حيث الملك العادل الذي أحسن وفادتهم ومنحهم حق "التدين" على طريقة الإسلام مع أن المسيحية كانت الديانة الرسمية للحبشة آنذاك.
التسامح الديني في معامله النجاشي للمسلمين كان لابد أن يترك أثره في حياة المسلمين الذين حمدوا للنجاشي صنيعه بعد أن ذاقوا ألوان العذاب من أهلهم وأقاربهم في مكة، لا لشيء سوى أنهم نبذوا تعدد الآلهه، وآمنوا بإله واحد.
من هنا لم يكن غريباً أن يطلق الرسول عليه الصلاة والسلام حق الحرية الدينية عندما انتقل وصحبه إلى يثرب التي كان يسكنها يهود ، ومشركين ، إلى جانب المسلمين من الأوس والخزرج، وقد ثبّت الرسول عليه الصلاة والسلام حق حرية المعتقد في عهد مكتوب، أعتبره الدكتور محمد سليم العوا أول دستور مكتوب في التاريخ البشري، وإنها –أي صحيفة المدنية- ظلت على فرادتها لم ينسج على منوالها أحد إلى عام 1215م حين قام الإنجليز بثورتهم ضد الملك جون، وكتبوا الوثيقة التي يسمونها "ألما غانا كارتا" أو العهد العظيم (1) هذا الدستور الذي عرف بـ" صحيفة المدينة " تضمن حق حرية العقيدة لغير المسلمين، وتقررت من خلال نصوصه المواطنة المتساوية، وهو ما يؤكده زيد الوزير الذي يرى أن الصحيفة قد أعطت لليهود أنهم مع المسلمين "أمة من دون الناس" وبهذه المادة تقررت المواطنة المتساوية وبتثبيت حق اليهود على دينهم وأموالهم "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم" تم التوقيع على حرية الأديان وحماية الأقليات .(2)
وبهذا أضحت المواطنة المرتكز الذي تقوم عليه علاقة المسلمين بغيرهم في إطار المجتمع الإسلامي ، وقد ألزمت الصحيفة اليهود بواجبات ، كما منحتهم حقوقاً مقابل هذه الواجبات ، والواجبات لا تفرض إلا على من كان عضوا في المجتمع المدني الذي نظمته هذه الوثيقة النبوية .(3)
صحيفة المدينة لم يدم الإلتزام بها طويلا ً، فسرعان ما نقض يهود المدينة هذا العهد ، باتفاقهم مع مشركي قريش ومحاربتهم للمسلمين، فضيعوا فرصه تاريخية للتعايش السلمي بين الأديان ، وتسببوا في فشل أول تجربه إنسانية باركها الوحي السماوي.
وبعكس اليهود كان لنصارى نجران موقف آخر إذ عهدوا إلى محاورة الرسول صلى الله عليه وسلم علهم يقنعونه بصوابية دينهم، ولما فشل الحوار دعاهم الرسول إلى المباهلة فرفضوها ووافقوا في الأخير على تسليم "الجزية" على أن يكفل لهم المسلمون الأمان وحرية التدين، وعلى هذا الأساس انطلقت الدعوة الإسلامية في مخاطبة أهل الكتاب خارج الجزيرة العربية "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئاً ، ولا يتخذ بعضنا بعضا ً أربابا من دون الله ، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون" آل عمران :64

مواطنون أم ذميون؟!
صحيفة المدينة شكلت الإطار النظري لتعامل المسلمين مع الأقليات في إطار المجتمع الواحد، وكان بإمكان التجربة أن تتطور، وتترسخ في وجدان المجتمع المسلم لولا الانتكاسة التي تعرضت لها بسبب نقض اليهود لبنود الوثيقة… وبهذا أصبحت "صحيفة المدينة" وثيقة تاريخية فحسب، وجاءت المستجدات لتكرس مبدأ "الجزية" في التعامل مع أهل الكتاب، الذين عرفوا أيضا بـ"أهل الذمة".
ومن المعروف أن مصطلح أهل الذمة لم يجد رواجًا إلا إبان الفتوحات الإسلامية منذ عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هذه الفتوحات -كما يذهب الدكتور محمد عمارة- لم تفرض عقيدة الإسلام وإنما امتدت بحدود الدولة السياسية إلى ما وراء شبه الجزيرة العربية، وقد تركت لأهالي البلاد المفتوحة حريتهم في الاعتقاد مسيحيين كانوا أم يهودا أم مجوسا بل قد أتاحت لهم من الحريات الاعتقادية، والدينية فوق ما كانوا يتمتعون به من قبل هذه الفتوحات، فقط فرضت عليهم ضريبة زهيدة مقابل إعفائهم من ضريبة الجندية والقتال لأمر اقتضاه أمن الدولة الناشئة(4) ومع أن عقد الذمة شكل تراجعاً مقابل صحيفة المدينة، إلا أن الطرف الآخر في العقد (أهل الكتاب) لم ير فيه إذلالاً بقدر ما وجد فيه تأمينا لحق الحياة، وحق حرية العقيدة، فقد كانت الجزية حماية لأهل الكتاب وإعفاءً لهم من المشاركة في الحروب التي يخوضها المسلمون.
وثمة واقعة تاريخية تؤكد ما ذهبنا إليه، فحينما عجز القائد أبو عبيده بن الجراح في وقت ما عن أداء واجب الحماية الأمنية لأهل حلب رد عليهم جزيتهم، وتفرغ لقتال الروم لأن شرط أخذ المسلمين أداء الجزية لم يعد متوفراً وهو الحماية الآمنة لدافعي الجزية .(5)
عقد الذمة بدوره أيضاً أضحى حالة تاريخية إذ لم يعد مقبولاً اليوم، إلا في بعض الطروحات الاسلامية التقليدية التي تجتر التاريخ في نزعة ماضوية ترى في الشكل ثابتاً لا يحق تجاوزه دون إعمال للمتغيرات والظروف المستجدة مكانا وزمانا.
وعقد الذمة لم يعد ملزماً اليوم لأن الدول الحديثة تقوم على أسس قانونية تكفل المواطنة المتساوية للجميع، وتلتزم دساتيرها بحق وحرية المواطن الدينية… وهذا التطور التاريخي الذي وصل إليه العالم لا يختلف كثيراً عما جاء بصحيفة المدينة التي يجب على المسلمين إحياءها في نظرتهم وتعاملهم مع الآخر المختلف دينيا، إذ لا بديل عن التعايش السلمي، واحترام الخصوصيات الدينية والثقافية لفئات المجتمع.
لقد انقضى عقد الذمة، والعودة إلى الشريعة الإسلامية لا تعني عودة عقود الذمة لأن عقد الذمة كأي عقد آخر يقتضي إرادة حرة من الطرفين المتعاقدين، فإذا لم تكن هذه الإرادة موجودة فلا عقد، وإذن فليس هناك ذمة في الدولة الإسلامية، وإنما هناك وجود في الوطن نسميه (مواطنة) ترتب حقوقا وواجبات يتساوى فيها الجميع .(6).

تكفير المسلم العلاقة بالآخر في إطارها الإسلامي
كان من المفترض أن تحكم علاقة المسلمين ببعضهم، بحيث يكون الحوار محوراً لهذه العلاقة، وبحيث يطغى التسامح على العنف، والإيثار على الأثرة، إلا أن الفتنة الكبرى بعد مقتل عثمان رضي الله عنه أفضت إلى بروز مسار آخر لهذه العلاقة بدأت بالاختلافات، والاقتتال وانتهت بالتكفير والإقصاء، وانقسام المسلمين إلى طائفتين كبيرتين (سنة وشيعة) .

المزيد