عبد الله علي صبري يرحب بكم

السلحفاة تسبق الأرنب مرة ثانية

فبراير 4th, 2007 كتبها abdulla sabari نشر في , اقتصاد

كيف ساقت سياسة صندوق النقد الدولي العالم الى الانهيار؟؟

منذ فترة غير قصيرة، والحديث عن العولمة يطغى على ما عداه، مخلفاً وراءه جدلاً لا يكاد يهدأ حتى يثار من جديد وفيما تتباين الآراء حول سلبيات وايجابيات العولمة تؤكد معظم الدراسات ان العولمة ليست خطراً في حد ذاتها، فبإمكان أي مجتمع ان يكون شريكاً فاعلا ومتفاعلاً في إطار العولمة بشقيها الثقافي والاقتصادي، شرط ان يتوافر لذلك المجتمع او تلك الدولة المقومات الضرورية للبناء، والنهوض، والانفتاح.

 

قد تتوافر هذه المقومات في جانبها الثقافي لكثير من دول العالم، لكن تلك المقومات في الجانب الاقتصادي تتعرض لاحتكار الدول الكبرى، وبهذا أصبحت الهيمنة مدلولاً واقعياً للعولمة التي لا ترحم

ليس غريبا اذن ان تتوالى التظاهرات المناهضة للعولمة خصوصا إذا عرفنا أن الفقراء وحدهم من يدفع الثمن، فالغرب - الولايات المتحدة بالذات- قد نظم العولمة وبسطها على نحو يتيح له ان ينال حصة غير متناسبة مع منافعها على حساب العالم النامي.

وتتضاعف أهمية الكلام أعلاه اذا عرفنا ان الموقف المناهض للعولمة بصيغتها الحالية ليس مقصوراً على مفكري ومثقفي الدول النامية، وتتضاعف اهمية هذا الموقف اكثر عندما نجد باحثاً متخصصا بحجم جوزيف ستيغليتز يقرر بشجاعة وموضوعية خطر العولمة على فقراء الدول النامية.

سيتغليتز، اقتصادي امريكي شهير، حائز على جائزة نوبل الاقتصادية، وقضى سبع سنوات في واشنطن حيث عمل رئيساً لمجلس المستشارين الاقتصاديين في ادارة كلينتون، ثم نائباً لرئيس البنك الدولي. وقد سكب عصارة تجربته العملية في كتاب خيبات العولمة (Globalization and Its discontents) الذي اعادت نشرة دار الفارابي (بيروت: 2003) وترجمة الى العربية ميشال كرم.

والكتاب الذي يحتوي تسعة فصول في 295 صفحة من القطع الكبير يقدم شرحاً مستفيضاً لاداء صندوق النقد الدولي، وتأثير سياساته وقراراته على اقتصادات الدول النامية، موضحاً كيف ان هذه السياسات باتت غاية في ذاتها، ولم تعد وسائل في خدمة نمو صحيح ومستديم، مدعماً استنتاجاته بشواهد كان فيها المؤلف شاهد عيان!!

وقبل ان يستعرض الكتاب مساوىء وسلبيات العولمة، يذهب المؤلف الى ان العولمة بحد ذاتها ليست جيدة ولا مسيئة، فهي تستطيع الاتيان بخير كبير، فالبلدان الاسيوية التي اعتنقتها حسب شروطها هي، وحسب وتيرتها هي جنت منها خيراً عميماً.

ولانه يتحدث في الجانب الاقتصادي يعرف ستيغليتز العولمة بانها: ذاك الاندماج الاوثق بين بلدان وشعوب العالم الذي تحقق من جهة، بسبب الانخفاض الكبير في كلفة النقل والاتصالات، ومن جهة اخرى بسبب ازالة الحواجز المصطنعة من امام تنقل الاموال، والخدمات، والرساميل، والمعارف، والاشخاص (بقدر ادنى) عبر الحدود.

وسنرى ان هذا التعريف يقود الى فهم اخطاء وخطايا العولمة، كما سيتضح لاحقاً.

ثمن باهط 

للعولمة حسنات لايجوز تجاهلها غير انها لاتحسن وضع اولئك الذين هم في حاجة الى المنافع التي تعد بها، ومع ان جهودا تبدو وليدة نوايا حسنة في حقل تحرير التجارة، كما في سائر حقوق العولمة، قدأدت احيانا كثيرة الى نتائج سياسية، فانه متى انتهت الى الفشل مشاريع زراعية، او مشاريع بنى تحتية اوصى بها الغرب، ورسمت بناءً على نصائح خبراء غربيين، ومولها البنك الدولي أو مؤسسات اخرى، فان على فقراء العالم النامي ان يسددوا القروض، ماعدا حالات الغاء الديون.

واذا كانت مغانم العولمة، في كثير من الحالات، دون مايزعم انصارها، فان الثمن الواجب دفعه كان ابهظ بكثير: البيئة اتلفت، والفساد انتشر في الحياة السياسية وسرعة التغيير لم تدع  للبلدان وقتاً كافيا للتكيف ثقافياً.

ما الذي يريده ستيغليتز من كلامه هذا؟

هو لا ينقد العولمة من اجل مناهضتها، لكنه يتصور انه بالامكان تعديل وجهة العولمة، واذا قمنا بذلك، اذا اردنا العولمة بشكل عادل ومتكيف، باعطاء كل بلد حق ابداء الرأي في التدابير التي تطاله، فانها قد تساعد في خلق اقتصاد عالمي جديد يكون فيه النمو مستداماً وتكون ثماره موزعة بمزيد من العدالة.

وتأكيداً على امكانية تعديل وجهة العولمة، لاينكر المؤلف تلك الايجابيات التي تحققت بسبب العولمة، فقد خففت الشعور بالعزلة الذي كان سائداً في كثير من البلدان، واتاحت الفرصة لكثير من سكانها للحصول على قدر من المعرفة ارقى بكثير من الذي كان يتمتع به اغنى فرد في اي بلد قبل قرن من الزمان.

المعونة الدولية التي هي احد وجوه العولمة، قد افادت هي ايضاً، بالرغم من كل عيوبها- ملايين الاشخاص، تحت اشغال لم تلفت الانتباه في كثير من الاحيان.

حتى التظاهرات المناهضة للعولمة هي بذاتها نتيجة لهذا (التواصل) الذي انتجته  العولمة!، وعليه فـ«ان الذين يهاجمون العولمة، يتجاهلون حسناتها في احيان كثيرة، لكن الذين يتغنون بمحاسنها هم أقل عدلاً أيضاَ».

كينز وتوافق واشنطن 

صندوق النقد الدولي (ص ن د) ثالث اهم موسسات اقتصادية دولية (البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية) تعد قراراتها وسياساتها المتحكم الفعلي في مسار العولمة.

من هنا تأتي اهمية التركيز على اداء هذه الموسسات، وكيف تتخذ قراراتها، وتتضاعف الاهمية- كما اسلفنا- عندما يصدر تقييم كهذا عن شخصية اقتصادية عالمية اسهمت في اتخاذ القرارات داخل هذه المؤسسات.

يصدمك ستيغليتز عندما يؤكد ان اتخاذ القرار داخل ص ن د يستند الى خليط غريب من الايديولوجيا، والاقتصاد السيء، الى عقيدة جامدة تكاد لا تستر المصالح الخاصة التي وراءها، وان وصفة واحدة كانت تفرض ان تعمل البلدان بموجبها، ولم يكن المطلوب آراء مختلفة، كان النقاش الصريح والمفتوح لايحظى بالتشجيع.

«إن اتقان العمل السري كان كبيراً الى حد كان الصندوق معه يخفي قسماً كبيرآً من المفاوضات وبعض الاتفاقات عن اقتصاديين البنك الدولي، حتى في اثناء القيام بمهام مشتركة، ورغم الكثير من الكلام عن الانفتاح والشفافية، مازال ص ن د لايعترف رسميا بـ«الحق في المعرفة» هذه الحرية الاساسية للمواطن!!».

بالاضافة الى «السرية» في اتخاذ القرار، يضع الصندوق امام البلد المستهدف اهدافاً محددة بدقة تسم «شروطاً»، فكل عقد قرض ينص على شروط اساسية، ويوضح على الاقل ان القرض قد منح بشرط ان يسدد عموما وفق روزنامة معينة. كما يفاجئك المؤلف عندما يكشف ان هذه الروزنامة التي يعتمدها الصندوق اضحت اليوم مجافية للافكار التي كانت وراء انشاء ص ن د، والتي وضعها الاقتصادي الامريكي (كينز) الذي كان يشدد على نواقص السوق، وعلى دور الدولة في خلق فرص عمل. بينما اصبحت روزنامة الصندوق اليوم تعتمد على التحرير، والتخصيص، وتتغنى بحرية السوق. ولكن متى ولماذا تبدلت افكار الصندوق».

يذهب ستيغليتز الى ان «توافق واشنطن» في الثمانينات كان خلف هذا التحول، وهوتوافق بين ص ن د، والبنك الدولي، ووزارة الخزانة الامريكية يهتم بالسياسات «الصالحة» التي يجب ان تعتمدها البلدان النامية.

وقد شكل هذا التوافق  انعطافاً جذريا في مفهوم التنمية والاستقرار، وكانت النتيجة الواضحة لسياسات، توافق واشنطن تأمين منافع لاقلية صغيرة على حساب الغالبية الكبرى، للاغنياء على حساب الفقراء، وفي حالات كثيرة تغلبت قيم ومصالح تجارية على الحرص على البيئة، والديمقراطية، وحقوق الانسان، والعدالة الاجتماعية.

النظام الحالي الذي يهيمن عليه ص ن د، هو في نظر فلاحي البلدان النامية الذين يكدون ويشقون في سبيل تسديد  ديون بلدانهم لـ ص، ن، د وفي نظر اصحاب المشاريع الذين يعانون من ارتفاع نسبة الضريبة على القيمة المضافة الذي فرضه الصندوق. انما هو نظام «فرض رسوم دون تخطيط».

ص ن د من جهته يزعم انه لايفرض اتفاقية قرض ابدا وانما يتفاوض على مضمونها دائما ً مع البلدان المقترضة، غير ان المؤلف ينبه الى ان هذه مفاوضات وحيدة الجانب، فالصندوق يملك كل الاوراق، لسبب جوهري، هو ان كثيرا من البلدان النامية التي تطلب مساعدته هي بحاجة ماسة الى المال. يضيف المؤلف أن عدم توازن القوى بين ص ن د و«البلدان الزبائن» يولد لامحالة توترا بين الطرفين، لكن تصرف الصندوق في اثناء المفاوضات يزيد الطين

المزيد