الاسلاميون والنظام الديمقراطي
الرهانات والشروط والعوائق
صلاح الدين الجورشي
إذا كان القرن العشرين قد شكل الإطار التاريخي الذي نشأت فيه ما أصبح يسمى بحركات الإسلام السياسي، فهل يشهد القرن الجديد إدماجها في النظام الديمقراطي الذي يفترض أن يسود مناطق العالم الإسلامي، بعد أن فشلت مختلف أنظمة الاستبداد في تحقيق التنمية وحماية الاستقلال الوطني؟. فمنذ أن تأسست حركة «الإخوان المسلمون» عام 1928م، التي كانت تعتبر كبرى الحركات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط، والمعركة مستمرة بين الإسلاميين وأنظمة الحكم التي انتهجت كل الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة من أجل القضاء على هذه الجماعات الطامحة نحو الوصول إلى السلطة وتغيير نمط المجتمع. تلك المعارك القاسية التي عاشتها معظم البلاد العربية لم تفشل فقط في القضاء على هذه الحركات، بل زادت من تعقيد الظاهرة وحولتها إلى مصدر خطير من مصادر التوتر والتأزيم المتواصل محلياً وإقليمياً وحتى دولياً. وعندما يفشل العنف في حل الخلافات والنزاعات يصبح البحث عن الحلول السياسية هو الخيار الأفضل. ومن هنا يطرح التساؤل حول مدى إمكانية تحقيق نتائج إيجابية في عملية إدماج الجماعات الإسلامية في صلب الأنظمة الديمقراطية.
لن نتوقف عند الأسباب التي أدت إلى تفجير الصراع التراجيدي بين الإسلاميين ومعظم أنظمة الحكم، فذاك موضوع درسه الكثيرون ويطول شرحه، وإنما ستحاول هذه الورقة مواجهة الإشكالية التي طرحها المبادرون إلى تنظيم هذه الورشة بطريقة مباشرة. وما يتبادر إلى الذهن عند محاولة الإجابة عن السؤال المطروح، هو البحث أولاً عن الطرف أو الأطراف التي لها مصلحة في المراهنة على إنجاح مبادرات إدماج الإسلاميين في محاولات التحول الديمقراطي الجارية هنا وهناك؟. وثانياً تحديد الشروط المساعدة على تحقيق عمليات الإدماج؟ وثالثاً مدى استعداد هذه الجماعات والحركات للإنخراط الفعلي والكامل فكرياً وسياسياً في المنظومة الديمقراطية؟
أصحاب المصلحة
يفترض أن تكون هناك أكثر من جهة تشعر بأنهاستستفيد من تحقيق تقدم ملموس على درب إدماج الإسلاميين في مسار سياسي إصلاحي يرمي إلى تأسيس دولة ديمقراطية، مرتكزة على القانون والمؤسسات والتداول السلمي على السلطة. فإلى جانب قطاع عريض من الإسلاميين الذين ستوفر لهم الديمقراطية نمواً سليماً وتمكنهم من فرص لاختبار قدراتهم على التأثير والاستقطاب، يمكن الإشارة إلى ثلاثة أطراف أخرى.
أول هذه الجهات المفترضة هي شعوب المنطقة التي ستستفيد قطعاً من الديمقراطية حتى وإن لم تع العلاقة العضوية القائمة بين تدهور أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبين الاستبداد السياسي. فالمواطن المنهمك في دورة الحياة اليومية الصعبة والمعقدة، قد لا يرى أي رابط بين دعم التعددية الحزبية وحرية الصحافة واستقلال القضاء وضمان نزاهة الانتخابات وبين تحسين دخله وتخفيف وطأة غلاء المعيشة وتحسين الخدمات الصحية، خاصة إذا كان هذا المواطن يعيش في بلد توجد فيه تعددية حزبية ضعيفة شكلية، أو حرية نسبية في مجال التعبير.
إن تشريك المواطنين في صناعة مصيرهم الجماعي سيكون له تأثير إيجابي وملموس على مجمل أوضاعهم، بالرغم من ضرورة الإقرار بأن الديمقراطية ليست مفتاحاً سحرياً لحل كل مشكلات المجتمع. أما عن علاقة ذلك بإدماج الجماعات الإسلامية في المنظومة الديمقراطية فتكمن فيما سينجرُّ عن عملية الدمج من وضع حد للنزيف القائم، وتحويل ما تملكه هذه الجماعات من طاقة وحماس وقدرة على الاستقطاب إلى جهود تنصب في خدمة الناس والمجتمع، بدل أن تذهب سدى في معارك مضارها أكثر من منافعها. وقد بينت الوقائع والتجارب أنه عندما يسمح للحركات الإسلامية بحرية النشاط، فإن العديد منها يتجه نحو بذل قدر من الجهد في خدمة الناس، سواءً قياماً بالواجب بنية التقرب إلى الله، أو بغرض كسب الولاء السياسي والاستقطاب. وفي الحالتين سيكون المواطنون من بين أبرز المستفيدين. كما أن عملية الدمج ستخفف كثيراً من حالات الغلو والتشدد الايديولوجي لدى الإسلاميين، وهي ظاهرة طالما تضررت منها المجتمعات قبل الأنظمة، لما لها من تداعيات سلبية على معتقدات الجماهير وتوازناتهم الروحية والاجتماعية.
المستفيد الثاني من عملية الدمج هي بعض شرائح النخب المحلية التي طالما رأت في الحركات الإسلامية عاملاً غير قابل للتحكم بمعادلات التغيير الاجتماعي والسياسي.
فبالرغم من أن هذه الحركات تمثل طموحاً مشروعاً لبعض القوى والشرائح، إلا أنها سرعان ما تتحول إلى معضلة ثقافية وأمنية وسياسية تزيد من إرباك النخب، خاصة ذات التوجه العلماني، التي وجدت نفسها في أكثر من بلد مخيرة بين الوقوف إلى جانب الأنظمة وبالتالي الموافقة على سياسات القمع وغض الطرف عن انتهاك حقوق الإنسان، أو الانحياز لتلك الحركات رغم الاختلافات الجهورية معها في نمط المجتمع والدولة. لهذا فإن تحقيق تسوية ديمقراطية لملف هذه الحركات من شأنه أن يحرر النخب من ذلك المأزق التراجيدي ويجعلها أقدر على القيام بدورها النقدي لمختلف الأطراف. يضاف إلى ذلك أن اندماج الإسلاميين في المنظومة الديمقراطية ولو بشكل جزئي من شأنه أن يساعد أيضاً على تدريبهم لتحمل مخالفيهم في الفكر والسياسة، وبالتالي تخفيف حملة الضغط التي تمارسها عديد الجماعات على المثقفين، والتي قد تبلغ أحياناً درجة التكفير والتخوين والتهديد بالتصفية والاغتيال.
الديمقراطية لن تنهي حالة الاشتباك بين الحركات الإسلامية والتيارات العلمانية، بحكم أنها لاتلغي الاختلاف والتناقض لكنها تغير أسلوب التعامل بين الأطراف وتفرض عليها التعايش رغم استمرار الصراع.
المستفيد الثالث من عملية الإدماج هي الأنظمة القائمة. هذه الأنظمة التي تتحدث باستمرار عن خطر الحركات الإسلامية على الأمن والاستقرار، والتي أنفقت ولا تزال أموالاً وجهوداً ضخمة لمحاصرتها وإضعافها وتجفيف منابعها. والعديد من هذه الأنظمة يتعرض منذ سنوات لانتقادات منظمات حقوق الإنسان بسبب أخطائها والتجاوزات الخطيرة التي ارتكبتها في حق المساجين الإسلاميين الذين عذبوا أو أعدموا في بعض البلدان، وأقيمت لجميعهم تقريباً محاكمات غير عادلة. لهذا يفترض أن تشعر هذه الأنظمة بالارتياح عندما تصبح هذه الحركات جزءاً من القوى السياسية التي تعمل على السطح وتتحرك في العلن وتخضع لقواعد اللعبة السياسية، فعندها يُعرف حجمها، ويسهل التعامل والتفاوض معها، مما يفقدها التمتع بميزات الضحية ويجعلها عرضة للنقد والتقييم ومحاسبة الجماهير لأدائها.
لقد استفادت بعض الأنظمة العربية عندما انفتحت سياسياً وانتهجت أسلوب تشريك بعض حركاتها الإسلامية في نوع من الحياة السياسية القائمة على التعددية والتناوب البرلماني.
فالنظام الأردني نجح إلى حد كبير في كسب ولاء حركة الإخوان عندما سمح لها بالمشاركة في الانتخابات العامة واحتلال عدد من المقاعد في البرلمان، بل والمشاركة أحياناً في تشكيل بعض الوزارات. لهذا تجنبت الحركة الدخول في مواجهات عنيفة وشاملة مع السلطة، ولم تقدح في شرعية الأسرة الحاكمة، واعتبرت أن مصلحتها تكمن في الدفاع عن النظام السياسي ضد مختلف المخاطر الداخلية والخارجية مع العمل على تطويره. وتكررت نفس التجربة مع النظام الملكي المغربي الذي بعد تردد وتوجس دام سنوات طويلة انفتح على جزء من القوى الإسلامية ممثلة في «حزب العدالة والتنمية» الذي يشكل حالياً الحزب الثالث في البلاد. فهذا الحزب، خلافاً لجماعة «العدل والإحسان» التي يقودها (الشيخ عبدالسلام ياسين)، قرر في سياق عملية التطبيع مع السلطة الاعتراف بالشرعية الدينية والسياسية للملك الراحل الحسن الثاني، ثم لابنه محمد السادس الذي تعتبره(أميراً للمؤمنين)
ولم يقتصر الأمر فقط على بعض الأنظمة الملكية التي انتهجت سياسة الإصلاح الديمقراطي، بل إن سياسة الحوار والمشاركة التي انتهجها الرئيس بوتفليقة مع بعض الأحزاب الإسلامية الجزائرية حولت «الحركة من أجل السلم» ذات التوجه الإخواني، التي أسسها المرحوم «محفوظ نحناح»، من حركة معارضة جنحت في البداية إلى العنف، حيث اعتقل زعيمها في السبعينات خلال حكم الرئيس الراحل هواري بومدين، أثناء محاولة قيامه بعمليات تخريبية (قطع خطوط الهاتف)، إلى حركة حليفة وضعت مصداقيتها في الميزان وجندت كل طاقاتها دفاعاً عن ترشيح رئيس غير إسلامي (بوتفليقة) ضد مرشح إسلامي هو «الشيخ عبدالله جاب الله».
كما استطاع الرئيس اليمني علي عبدالله صالح إقامة تحالف «شبه مقدس» مع أهم حركة إسلامية في البلد «حزب الإصلاح اليمني» الذي وقف بكل قوة مع النظام ضد خصومه من الاشتراكيين واعتبر الحزب قتالهم «جهاداً». ويندرج في نفس السياق مثال «حزب الله» في لبنان. فبالرغم من أن هذا الحزب يضم جناحاً مسلحاً، إلا أن النظام السياسي الطائفي، على علاته قبل به واعتبره إحدى القوى السياسية الرئيسية الضامنة للوحدة الوطنية. هذا الانفتاح والقبول ساعد على تحقيق حالة الانضباط العالية التي يتمتع بها هذا الحزب الإسلامي، مما جعل كل القوى السياسية تقريباً تقف إلى جانبه عندما حاولت الولايات المتحدة الضغط على لبنان لتجريده من أسلحته بعد أن صنفته ضمن «الحركات الإرهابية».
بناءً على تلك الأمثلة وغيرها يتبين أن أنظمة الحكم يمكن أن تستفيد بشكل مباشر إذا انتهجت أسلوباً سياسياً مغايراً قائماً على تشريك من ترى فيهم خصوماً استراتيجيين.
عوائق الإدماج وشروطه
هناك عوائق عديدة يمكن أن تحول دون إدماج الإسلاميين في مسارات التحول الديمقراطي التي أصبحت ضرورية في المنطقة العربية. وهذه العوامل متداخلة بين ما هو ثقافي وا












