صلاحيـات الحـاكم المسـلم
كتبهاabdulla sabari ، في 1 نوفمبر 2007 الساعة: 15:19 م
الفقه التقليدي ينتصر ل"خليفة الله "على حساب "خليفة رسول الله"فيما يرى الاصلاحيون العرب أن النظام البرلماني هو أصلح نظم الحكم لدول المنطقة .
عبد الله علي صبري
منذ منتصف عام 2004م، ومشاريع الإصلاح السياسي تترى على المنطقة العربية ، بالاستناد إلى مؤشرات وتقارير محلية ودولية تنذر بعواقب وخيمة ، ما لم يتدارك أبناء المنطقة بلدانهم بإصلاحات شاملة في ا لمقدمة منها الإصلاح السياسي .
وكانت الدول الصناعية الثمان قد أعلنت في يوليو 2004م عن بيان تاريخي بعنوان " شراكة من أجل التقدم والمستقبل المشترك مع ا لشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا " بحضور عدد من رؤساء دول المنطقة .ويعتبر هذا البيان بمثابة الخطة المعدلة لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تبنته الإدارة الأمريكية ، مضمنة إياه ثلاثة أوليات للإصلاح في المنطقة ، وهي :
1. تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح من خلال تأييد الدول الثمان للانتخابات الحرة وتعاونها مع تلك البلدان التي تظهر استعداداً لإجراء انتخابات حرة ومنصفة .
2. بناء مجتمع معرفي .
3. توسيع الفرص الاقتصادية .
وقد أثار المشروع ردود فعل سريعة من قبل الأنظمة العربية التي صرح بعض زعماؤها بأن الإصلاح لا يأتي من الخارج ، مستنكرين في ذات الوقت إغفال القضية الفلسطينية والصراع العربي _ الإسرائيلي في المشروع .
الإدارة الأمريكية من جهتها قسمت النظم العربية المتجاوبة مع الإصلاحات إلى أربعة مجموعات :
1. مجموعة النظم المطالبة بأن تجري الإصلاحات الديمقراطية والتغيير في مجتمعاتها بنفسه ( مصر, السعودية ).
2. مجموعة النظم التي يتم فيها فرض الإصلاحات بالقوة العسكرية إن لزم الأمر ( ليبيا ,سوريا ).
3. مجموعة النظم التي سيكتفي فيها بخبراء ومستشارين أمريكيين لدعم عملية التغيير ( البحرين , الكويت , المغرب ).
4. مجموعة النظم التي في حالة شراكة مع الولايات المتحدة وتقبل ببرامج أمريكية محددة ( قطر ، الأردن ، اليمن ) .(1)
غير أن الممانعة التي أظهرتها نخب سياسية ومثقفة بخصوص الضغوط الخارجية ، والتفهم الذي أبدته دول الثمان حيال هذه التحفظات ، قد فتح المجال واسعاً أمام المبادرات المحلية التي احتوت مطالبها الإصلاحية تفاصيل مهمة ارتكزت أساساً على :
1. تثبيت مبدأ التداول السلمي للسلطة ، بانتخاب رئيس الجمهورية وتحجيم صلاحياته الدستورية .
2. استكمال مقومات النظام البرلماني في ا لنظم الجمهورية ، ومقومات الملكية الدستورية في النظم الملكية
3. تعزيز الديمقراطية والحريات العامة ، وحقوق الإنسان .
نجد هذا التركيز في مبادرة الأخوان المسلمين بمصر ( القاهرة , مارس 2004 ) ، وفي إعلان الدوحة للديمقراطية والإصلاح ( يونيو, 2004 ) ، كما في مؤتمر أوليات وآليات الإصلاح في العالم العربي ( القاهرة ,يوليو 2004 ) ، ونلحظه بوضوح في مشروع اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني ( صنعاء ,نوفمبر 2005 ) .
تأليه الحاكم وتوريث الحكم
التركيز على تقليص صلاحيات الحاكم يعكس جوهر المشكلة السياسية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، والتي يمكن عنونتها بالاستبداد ، ومن علامات الاستبداد – كما يشرح عز الدين العلام –أن السلطان في الأدب السلطاني " من طبقة خاصة يختلف عن سائر الناس لا يدين لشخصه أو ملكه لأحد " (2)
لذا لا عجب أن تستقبل أجهزة الحاكم مبادرات الإصلاح السياسي على أنها محاولات انقلابية وخروج على الدستور المفصل بحسب مقاس الحاكم وطموحاته المتعلقة بتأمين مستقبله ومستقبل أولاده في الحكم ,تستوي في ذلك النظم الملكية الوراثية بطبيعتها ، والنظم الجملكية – حد وصف عالم الاجتماع سعد الدين إبراهيم– أي النظم الجمهورية التي ابتدعت توريث الحكم للأبناء !
وبالمقارنة بين الأدب السلطاني التراثي وحملة المباخر اليوم ، نجد تأليه الحاكم وتقديسه القاسم المشترك بينهما ، فللحاكم الحق أن يتفرد بكل الصلاحيات ، وإن أمكنه التفرد بالماء والهواء ألا يشرك فيهما أحدا ، فإن البهاء والعز والأبهة في التفرد . (3)
من هذا المنطلق يرى دعاة الإصلاح السياسي في العالم العربي ، أن النظام البرلماني هو أصلح نظم الحكم لدول المنطقة لأنه " يكفل إعادة توزيع الاختصاص داخل السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بحيث يكون لرئيس مجلس الوزراء المسؤول أمام السلطة التشريعية سلطات حقيقية تقابل هذه المسؤولية " (4)
وبشيء من التفصيل يطالب الاصلاحيون العرب أنظمة الحكم العربية التي توجد بها دساتير بضرورة تغييرها أو تعديل موادها ونصوصها بحيث تتحول الأنظمة الملكية إلى ملكيات دستورية يتم الفصل فيها بين " الملك الو راثي " و " السلطة التنفيذية " فالأول هو رمز الدولة وعنوان الشرعية والاستمرارية ، أما الثاني فهو رئيس حكومة منتخب والذي يختاره الشعب دورياَ ويتم تغييره هو وحزبه سلمياً من خلال الاقتراع الشعبي المباشر أو بواسطة الأغلبية البرلمانية ، كما يطالبوا أنظمة الحكم الجمهورية التي توجد بها دساتير أن تعدل المواد الخاصة باختيار رئيس الجمهورية ، من خلال انتخابات تنافسية مباشرة وتقليص صلاحيات وسلطات رئيس الجمهورية واستحداث مواد تنص صراحة على آليات لمراقبة ومحاسبة رئيس الجمهورية ، وسحب الثقة منه أو أي من نوابه ومعاونيه . (5)
وتيرة الإصلاحات التي شهدت زخماً غير مسبوقاً خلال عام 2004 لم تصمد كثيراً أمام المتغيرات الجديدة ، وبالأخص ما يتعلق بفشل المحتل الأمريكي في تثبيت أمن دولة العراق ، إضافة إلى العمليات الانتخابية التي شهدتها بعض الدول العربية خلال العامين المنصرمين ، فجاءت بنتائج غير مرغوبة للإدارة الأمريكية ، ما أتاح للأنظمة العربية فرصة التهرب من الإصلاحات المطروحة ، أو الاكتفاء بالاستجابة لبعض المطالب الشكلية التي لا تمس جوهر سلطة الحاكم .
بيد أن الأنظمة المراوغة في مسألة الإصلاحات تدرك قبل غيرها أن مخاطر عدم القيام بالإصلاحات يفوق بكثير كل المخاطر التي قد تصاحب القيام به . وهو ما يفرض تساؤلات كثيرة ، تبحث عن تفسير للحالة العدمية المصاحبة لموقف الأنظمة العربية من المطالب الشعبية سواءً المتعلقة بالإصلاح أو بغيره !
بين خليفة الله ، وخليفة رسوله
بالنظر في التاريخ الإسلامي ، نجد أن الحكم والاستبداد صنوان منذ أفول الخلافة الراشدة وبدء الملك العضوض ، وقياساً بفترة الحكم الرشيد كان الزمن الطويل للاستبداد في حياة المسلمين سبباً في تشويه صورة الإسلام ذاته ، إذ تعذر في كثير من الحالات الفصل بين الحكم القائم ، وبين التعاليم التي جاء بها الإسلام .
ولعل من أسباب هذا الخلط أن حكام المسلمين أبدوا حرصاً فائقاً على تسويق سياساتهم باسم الدين إلى درجة أن غالبيتهم ربطت هذه السياسات بقضاء الله وقدره .وفي ذلك يقول الشيخ علي عبد الرازق : " وأنت إذا رجعت إلى كثير مما ألف العلماء خصوصاً بعد القرن الخامس الهجري وجدتهم إذا ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك أو السلاطين رفعوه فوق وصف البشر ,ووضعوه غير بعيد عن مقام العزة الإلهية ، فالله تعالى هو الذي يختار الخليفة ، ويسوق إليه الخلافة والسلطان هو ( ظله ) في الأرض " (6)
الصورة في صدر الإسلام وإبان الخلافة الراشدة كانت مختلفة جذرياً ، فالخليفة الراشد أبو بكر رضي الله عنه يقول عندما يتولى أمر المسلمين : قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني (…) أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم .
هذا الخطاب يقرر صراحة حق المحكومين في أن " يقوموا " الحاكم ، وأنه لا يكون له طاعة إذا خالف الدستور الذي أنتخب على أساسه ، وهو طاعة الله والرسول . (7)
مراقبة الحاكم ومحاسبته كانت مبدأ أساسياً في ظل الخلافة الراشدة ، ولم يكن للخلفاء أية قداسية دينية ، وقد سمى المسلمون أبا بكر خليفة رسول الله ، ثم سموا عمر بن الخطاب خليفة خليفة رسول الله ، فلما وجدوا أن في التسمية ركاكة ما ، فطنوا إلى تسمية الخليفة بأمير المؤمنين ، ما يعني أن تسمية الحاكم بـ " خليفة رسول الله " لم يقصد منها عصمة الخليفة – الإمام ، أو منحه صلاحيات مطلقة بل كانت هذه التسمية عبئاً عليه لأنها تتطلب منه الإقتداء الكامل بسنة رسول الله والتزام أوامر الله ونواهيه .
ومنذ تعطيل الشورى ، وتوريث الحكم الذي ابتدعه معاوية بن أبي سفيان طغى مفهوم خليفة الله على مفهوم خليفة رسول الله " وأصبح رأي الخلفاء من رأي الله ، ينطلقون باسم الله ، ويتصرفون بالنيابة عنه ، فقولهم وفعلهم هو قول الله ووفق مشيئته وعلى المحكومين أن يتلقوا المصائب السياسية والاجتماعية باستسلام وصبر وأجرهم على الله في لوح محفوظ " (8)
ونتيجة لهذا الانحراف , ظهرت الكثير من المآخذ على نظام الحكم في العهد الأموي ، منها :ـ
1. تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض ، واحتكرت زعامة المسلمين أسر معينة .
2. ضعف إحساس الأمة بأنها مصدر السلطة ، وأن أميرها نائب عنها أو أجير لديها ، وأصبح الحاكم الفرد هو السيد المطلق النفوذ والناس رهن إشارته .
3. ابتذلت حقوق الأفراد وحرياتهم على أيدي الولاة المناصرين للملك العضوض ، فاسترخص القتل والسجن . (9)
وعلى مر العصور كان لحكام المسلمين وسلاطينهم فقهاء وعلماء يضعون على سياساتهم المسوح الدينية ويطلقون لهم عنان الصلاحيات التي كانت ولا تزال أس المعضلة على نحو ما أسلفنا .
ولم يقتصر الخطأ على ما منحه فقهاء السلطة للخلفاء –القياصرة من شرعية دينية ، بل فيما منحه فقهاء معارضة السلطة من صلاحيات لأئمة العدل المجتهدين الأبرار ، ذلك أن الصلاحيات الدينية المطلقة بغض النظر عمن أعطيت له وممن أعطيت هي أساس البلوى . (10)
مستقبل الإصـلاح
يتضح مما سبق أن الاستبداد السياسي يأخذ بعداً تاريخياً تراثياً ، وهو فوق ذلك غير منفصل عن الواقع العربي المعاش ، حيث تتجلى مظاهر الأزمة السياسية الراهنة في " غياب دولة القانون والمؤسسات ، وانعدام المساواة أمام القانون ، وتركيز السلطة في يد رئيس الدولة بدون توفر الحد الأدنى من التكافؤ بين الصلاحيات والمسؤوليات ، فلا محاسبة ولا مساءلة في ظل وجود سلطتين تشريعية وقضائية غير مستقلتين ومسيطر عليها ، وجهاز حكومي ضعيف وعاجز وتحويل العملية السياسية برمتها إلى مظاهر شكلية ، تعيد إنتاج الأوضاع القائمة وتعثر عملية التحول الديمقراطي ، وصيرورته إلى أداة لتكريس الحكم الفردي " (11)
هذا التشخيص الذي يجمع عليه الاصلاحيون العرب ، يمنح الدعوة إلى تقييد صلاحيات الحاكم المسلم سنداً موضوعياً ، فالإصلاح السياسي هو مقدمة الإصلاحات الشاملة ، ولا معنى للإصلاح السياسي إذا كان الحاكم مطلق الصلاحيات ، وخارج نطاق المساءلة ، بيد أن هذه المطالب بالذات هي التي تؤخر عملية الإصلاح السياسي ، كونها مرتبطة بعرش الحاكم وهيلمانه ، وليس مبالغة القول أن الحاكم المستبد يختصر الوطن في ذاته " أنا ومن بعدي الطوفان " ,وبحسب تعبير الكواكبي ، فإن المستبد في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنساناً فصار إلها!
صعوبة تغيير الحاكم أو الحد من صلاحياته ، يجب أن لا تقود للكف عن هذه المطالب ، وإن بدا للإصلاحيين العرب أن الضغط الخارجي قد تبدل لصالح الأنظمة المستبدة ، ذلك أن العامل الخارجي ليس إلا واحداً من عوامل التغيير والإصلاح ، فالتغيير أساساً يرتكز على الإرادة الشعبية التي لا يمكن لأية قوة أن تكبح جماحها متى آمنت بهدف ما وهبت إلى تحقيقه .ولا شك أن الإصلاحيين العرب يدركون هذه الحقيقة ، لكنهم بإفراطهم في النخبوية قد عزلوا أنفسهم عن " المواطن " وهو أداة التغيير وصاحب المصلحة الحقيقية في إنجازه .
ما يزال في جعبة الحاكم المستبد الكثير من الأدوات التي تعيق مشروع الإصلاح ، وما تزال الحركة الإصلاحية العربية تفتقد إلى الكثير من الآليات العملية التي تجعل من الإصلاح مشروعاً جماهيريا . وفوق ذلك فإن الخطاب الديني السائد شعبياً ما زال ينتصر للسلطة على المعارضة ، ولخليفة الله على خليفة رسوله , ما يجعل التغيير مرهون بثورة ثقافية شاملة ، تأتي بمفاهيم دينية جديدة تؤسس لإصلاح الأمة والنهوض بمجتمعاتنا باتجاه استعادة الدور الريادي للحضارة العربية والإسلامية على كافة الأصعدة.
هوامـــش :
1. ثناء فؤاد عبدالله : الإصلاح السياسي .. خبرات عربية ، مصر : دراسة حالة ، المجلة العربية للعلوم السياسية ، بيروت ، العدد 12, خريف 2006 م ، ص 18 .
2. عز الدين العلام : الآداب السلطانية .. دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، فبراير 2006 م ، ص 123.
3. المصدر نفسه ، ص 123 .
4. انظر مسودة البيان الختامي لمؤتمر أوليات وآليات الإصلاح في العالم العربي ، القاهرة ، يونيو 2004 م
5. انظر مسودة إعلان الدوحة للديمقراطية والإصلاح ، 2004 م .
6. الآداب السلطانية ، مصدر سابق ، ص 135 .
7. جمال البنا : الإسلام دين وأمة وليس ديناً ودولة ، دار الفكر الإسلامي ، القاهرة 2003 ،
ص 53.
8. زيد بن علي الوزير : الفردية .. بحث في أزمة الفقه الفردي السياسي عند المسلمين ، مركز التراث والبحوث اليمني ، ط1 : 2000م ، ص 298 .
9. محمد الغزالي : الإسلام والاستبداد السياسي ، دار ريحانة ، الجزائر ط1 :1999 م ، ص218
10. الفردية ، مصدر سابق ، ص13.
11. انظر مسودة مشروع اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني ، صنعاء ، نوفمبر 2005.
رئيس تحرير صوت الشورى –اليمن
a-a-sabari@maktoob.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























