أسياد البرلمان
كتبهاabdulla sabari ، في 30 ديسمبر 2007 الساعة: 07:43 ص
مجالس عشائرية ورموز مشائخية تبحث في مستقبل الحكم



أثار الإعلان عن قيام مجلس التضامن الوطني مطلع أغسطس الماضي كثيرا من ردود الفعل المتباينة حول أهداف هذا المجلس وطبيعة تركيبته والظروف التي استدعت إنشاءه، إضافة إلى أثر الأجواء التي أعلن المجلس عن نفسه في خضمها وما تلى ذلك من ردود فعل عملت على إقامة مجلس شبيه خاص بقبائل بكيل , بالإضافة إلى المستجدات الأخيرة التي دعت الشيخ حسين الأحمر إلى الإعلان عن مؤتمر خمر الثالث المزمع انعقاده بعد عيد الأضحى.
وكان لافتا أن المجلس الذي يتزعمه الشيخ حسين الأحمر نجل رئيس مجلس النواب، يضم في هيئاته المعلنة شخصيات اجتماعية لها مواقع قيادية في الأحزاب السياسية الفاعلة من السلطة والمعارضة على حد سواء، فيما يغلب على تركيبة هيئات المجلس رموز مشائخية يحسب معظمهم على قبيلة حاشد التي ينتمي إليها الرئيس علي عبد الله صالح إضافة إلى رئيس البرلمان ومعظم قيادات الجيش.
الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر الذي يُعد شيخ مشائخ حاشد، كان له الدور الأكبر في تثبيت نظام الرئيس علي عبد الله صالح إلى درجة أن الناس يتناقلون مقولة للرئيس عن علاقته بالشيخ مفادها: أنا رئيس الشيخ وهو شيخي!، بمعنى أن ثمة ولاء مزدوجاً بينهما أحدهما في إطار الدولة لصالح الرئيس والآخر في إطار القبيلة لصالح الشيخ!
ويعكس هذا الولاء -بغض النظر عن مدى واقعيته – تمازج النظام الحاكم في اليمن بالقبيلة، وتغلغل مشائخ القبائل في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية مع الاحتفاظ بنفوذهم ومكانتهم بين عشائرهم, وهو النفوذ الذي تتعاظم مساحته بمقدار ولاء الشيخ للنظام الحاكم والموقع الذي يشغله في أجهزة الدولة.
وقد يبدو الكلام هنا مقصورا على شمال اليمن قبل الوحدة، لولا أن الحالة أضحت معممة بعد استئثار المؤتمر الشعبي العام بالحكم منذ حرب صيف 1994، التي ألحقت بالمشروع الوحدوي اليمني وبالديمقراطية الوليدة ضررا بالغا ما تزال تداعياته ماثلة للعيان، وتنذر بأزمة سياسية يعد مجلس التضامن (القبلي) أحد ملامحها.
الشيخ النائب
وكان معولا على التعددية الحزبية التي انتهجتها اليمن منذ إعلان الوحدة في مايو 1990، تذويب التعصب القبلي وإدماج المشائخ في المجتمع المدني، وبدا ذلك ممكنا خلال السنوات الـ 3 الأولى من عمر الوحدة والجمهورية اليمنية، إذ وجد المشائخ في الحزبية طريقا جديدة فدخلوها بزخم القبيلة، وعن طريق الانتخابات وصل الكثير من المشائخ إلى البرلمان.
ويرى زيد الوزير أن دخول المشائخ مجلس النواب بفعل أصوات البشر لا أصوات البنادق بمثابة نقلة نوعية سياسية كبيرة تشبه انقلابا مدنيا على حكم عسكري بكل ما فيه من عيوب.
بيد أن الشيخ النائب سرعان ما اكتشف قوة مضافة بات يتمتع بها، فبالإضافة إلى الحصانة البرلمانية ومزاياها، سلك عدد من المشائخ دروب التجارة، محققين في هذا المضمار منافع كبيرة، وبالأخص المحسوبين على القوى المنتصرة في حرب 1994.
لقد تعززت مكانة الشيخ النائب إلى درجة أن التنافس على رئاسة مجلس النواب ينحصر في هذه الفئة من النواب، بغض النظر عن النتائج التي تحققها الأحزاب في الانتخابات البرلمانية، فمع أن التجمع اليمني للإصلاح قد خرج من السلطة بعد نتائج الانتخابات النيابية 1997، إلا أن رئيسه الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ظل محتفظا بموقعه في رئاسة المجلس منذ 15 عاماً، ويحتفظ الشيخ النائب يحيى الراعي بموقعه كنائب لرئيس المجلس، كذلك الأمر بالنسبة للشيخ النائب سلطان البركاني الذي احتفظ خلال هذه الفترة برئاسة الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم، ويقدم نفسه كوريث لمنصب الشيخ الأحمر في المجلس.
ولا يقتصر نفوذ المشائخ على البرلمان، فلهم مكانتهم في الحزبين الكبيرين: المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، وقد تدخل رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الشعبي العام بنفسه في انتخابات الأمانة العامة للحزب الحاكم في المؤتمر السابع 2006، ليضمن تواجد شيخين قبليين في قائمة الأمانة العامة، وأفضى هذا التدخل إلى إقصاء الشيخ حسين عبدالله بن حسين الأحمر, كعقاب له على موقفه من صحافة حزبه التي هاجمت والده الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر رئيس تجمع الإصلاح المعارض.
وإذ اعتبر الشيخ النائب حسين الأحمر هذا الإقصاء نكثا لوعد قطعه الرئيس فقد وجد نفسه أمام فرصة للحراك المعارض للرئيس من خلال التجمعات القبلية والتواصل مع مشائخها وصولا إلى إعلان مجلس التضامن آنف الذكر.
الجدير بالذكر هنا أن الحراك المعارض الذي يمثله هذا المجلس إنما يأتي في إطار صراع المصالح داخل النظام الحاكم الذي يعد مشائخ حاشد من أبرز أقطابه. وعندما قام حسين الأحمر بمناوأة الرئيس صالح إبان الانتخابات الرئاسية 2006، وعمل أخوه الشيخ النائب حميد الأحمر إلى جانب مرشح المعارضة المهندس فيصل بن شملان، فقد رأى الناس في هذا المشهد صراعا وتنافساً في إطار القبيلة الحاكمة.
وقد بدا الشيخ عبدالله والد حسين وحميد مباركاً لحراك القبيلة وحزبه المعارض، غير أنه في اللحظات الأخيرة عدل عن رأيه وأعلن ترشيحه للرئيس صالح، ليس من باب الوفاء للعلاقة التاريخية بين الرجلين، وإنما أيضاً في إطار حسابات من ضمنها الحفاظ على وحدة قبيلة حاشد التي تدين بالولاء لمشائخ آل الأحمر، وتأميناً للمصالح الاقتصادية والتجارية التي تتمتع بها الأسرة. وفهم الناس أن موقف أولاد الشيخ كان بمثابة رسالة للرئيس وأقاربه الذين يهندسون ترتيبات مستقبل البيت الحاكم بعيداً عن الشيخ عبدالله وأولاده. وإذ يحسب لقبيلة حاشد أنها تجتمع دائما تحت لواء شيخ واحد عكس القبائل الأخرى، فإن توزيع أدوار أولاد الشيخ عبد الله في إطار صراع المصالح ينذر بشق صف القبيلة وتشتيت ولائها بين السلطة والمعارضة، خصوصاً في ظل دعم السلطة لمشائخ آخرين عانوا التهميش خلال السنين الماضية.
رعايا مواطنون
وفي زخم التنافس الانتخابي على كرسي الرئاسة لأول مرة في اليمن، كان من الطبيعي أن يقف كبار المشائخ إلى جانب الرئيس صالح، لا من أجل ترسيخ مكانتهم القائمة فحسب، وإنما تعزيزاً لمستقبلهم وتثبيتاً لمكانة القبيلة في الصراع السياسي، وتوكيداً لقوة المشائخ الضاربة في مناطقهم التي يمثل سكانها 70% من إجمالي التعداد السكاني للجمهورية اليمنية.
لقد أثبتت القبيلة بذلك أنها عصية على الاقتلاع وأنها- كما يذهب مازن النجار – مازالت حجر الأساس في كثير من البلدان، ذلك أنها لم تختف من المسرح السياسي العربي، رغم ما بدا من غياب أو تغييب لها.. لقد كانت القبيلة دوماً هناك في خلفية المسرح تلعب دوراً مركزياً في السياسة والسلطة، ويشهد اليوم صعودا متميزاً للقبيلة وتموضعاً جديداً في قلب المجتمع أو قلب السلطة.
غير أن نفوذ المشائخ وجد ممانعة في كثير من المناطق القبلية، سواء بسبب تنافس المشائخ أنفسهم أو بسبب شعبية أحزاب المعارضة في بعض الدوائر الانتخابية، أو بسبب الظروف الاقتصادية المتردية وتحميل الرئيس والحزب الحاكم مسؤوليتها.
لقد وجد أبناء القبائل الذين حظوا بقسط من التعليم، وانخرطوا في الأحزاب والمظاهر المدنية، وجدوا في الديمقراطية والانتخابات فرصتهم للخروج عن هيمنة الشيخ أو على الأقل مقايضة الولاء له بمصلحة تعود على القبيلة وأبنائها، فيما سلك البعض منهم درب المعارضة تأثرا بالثقافة الحزبية ومفاهيم المواطنة والحرية وحقوق الإنسان، ما يعد بادرة أمل لو أحسنت المعارضة والقوى المدنية استغلالها وتنميتها وتشذيبها للروح العصبية التي تفرضها الظروف البيئية لأبناء القبائل.
إن تراجع هيمنة المشائخ في بعض المناطق والذي كشفت عنه نتائج الانتخابات الرئاسية، ظاهرة حرية بالدراسة والبحث خصوصا إذا عرفنا أن الحزب الحاكم لا يركن في العمليات الانتخابية إلى نفوذ المشائخ فقط، وإنما يردفه بتدخل الجيش والمال والإعلام وكافة الإغراءات التي تقدمها الدولة، ما يعني إمكانية تذويب العصبية القبلية في ظل مناخ ديمقراطي صحي، وانتخابات حرة ونزيهة!
ويدرك مشائخ القبائل بحدسهم وتجاربهم وقربهم من دائرة صنع القرار السياسي، أن النظام لا يرغب في ديمقراطية حقيقية، مكتفيا بشكلها الذي يحفظ له البقاء واستمرارية الدعم الخارجي، ولذا فهم لا يترددون في منح النظام ولاءهم ما داموا محتفظين بنصيبهم في الثروة والسلطة، ولا غرابة أن نجد رموزا مشائخية في الحزب الحاكم ينحون إلى نقد النظام بقسوة عندما يجدون أنفسهم خارج القسمة.
وحفاظا على دور ومكانة القبيلة سياسيا يقف المشائخ النواب بالمرصاد للقوانين ذات الطابع التحديثي، فقد امتنعوا – وما زالوا – عن إصدار قانون ينظم حيازة وامتلاك السلاح، فهم يرون في السلاح الناري قوة مضافة تحفظ هيبتهم وتحصنهم من أية خصومات تستدعي المواجهة المسلحة مع الجيش, كذلك فإنهم ما زالوا متحفظين على تحديث قانون المجالس المحلية ومنح المواطنين حق انتخاب مدراء المديريات والمحافظين، فهم يعرفون أن حصتهم بالتعيين أكبر منها في حالة الانتخاب.. هم يرفضون أيضا تعديل نظام الانتخابات إلى القائمة النسبية التي قد تمنح الأحزاب دوراً أكبر على حساب القبيلة.
المفارقة أن القبيلة لم تمانع من إشراك المرأة في الانتخابات كناخبة ومرشحة، وهم إن تجاهلوا أمرها كمرشحة إلى المجالس المحلية والنيابية، فقد استفادوا من صوتها كناخبة وأجادوا توظيفها في التنافس الحزبي مستغلين تبعية المرأة للرجل في العرف القبلي.
ترييف المدينة وتحديث القبيلة
إلى جانب العوامل السياسية التي يجيد مشائخ القبائل العزف على أوتارها، ثمة عوامل اجتماعية تصب أيضا في خانة نمو التعصب القبلي وانكسار الاتجاه المدني التحديثي، ذلك أن القبيلة لا تحكمها جغرافيا القبيلة، فهي منظومة من السلوكيات تنتقل من الريف إلى المدن العاجزة عن تذويبها بفعل عوامل كثيرة من ضمنها تزايد الهجرة الداخلية، ما أدى إلى ظاهرة ترييف المدينة وعجز المدينة عن توليد قوى المجتمع المدني ودعمها، كما يذهب فؤاد الصلاحي الذي يرى أيضا أن تزايد مساحة المدن وتزايد عدد سكانها ارتبط بالهجرة الداخلية وتمركز أعداد كبيرة من المهاجرين فيها مع اتجاههم إلى خلق ترتيبات معيشية أقرب إلى الأنماط التي تركوها في الريف، بمعنى تعميم الثقافة التقليدية داخل المدينة مع عدم تمدن المهاجرين إليها.
والمتأمل في حال العاصمة صنعاء يلحظ تقسيما قبليا لحواريها قد لا يبدو مخططا بقدر ما يعكس ذهنية المهاجرين إليها، إذ يغلب على مناطق شرق العاصمة المهاجرون من قبيلتي خولان والحداء، بينما يغلب على الشمال المهاجرون من قبيلتي نهم وأرحب، في حين يتمركز المهاجرون من تعز مثلاً في غرب العاصمة!
لعل هذا ما يعرف بـ"القبلية الاجتماعية" التي يتحدث عنها مازن النجار والتي تأتي – حد قوله – نتيجة لتدمير أو إضعاف منظومات المجتمع الأهلي التي هي شكل التعبير عن انتماء الفرد إلى مجموعة أو أمة أو طبقة، فنشأ فراغ بين الدولة والفرد، وملأ هذا الفراغ شبكات التضامن الأسرية ومنها القبلية الاجتماعية التي تعبر عن حالة المهاجرين من الريف إلى المدينة وما بينهم من تضامن وتكامل.
ويقابل هذا الدور الذي تلعبه القبيلة تجربة كفاح فاشلة بذلتها الحكومة في مواجهة القبائل وعنفها وطموح مشائخها في السلطة والثروة، إذ واجهت السلطة معوقات شتى وعصية أدى العجز في مواجهتها إلى تكريس الأمر الواقع، فكان على السلطة أن تواجه باستمرار معضلة اختطاف الأجانب من السياح والدبلوماسيين، وقطع الطرق، وتفجير أنابيب البترول، ما أثر ويؤثر على الأمن والاستقرار والاستثمار، وقد دفع النظام الحاكم أثماناً باهظة للحد من هذه الظواهر، ومن ذلك احتواء مشائخ القبائل عبر وسائل متعددة منها:
- الإعلان عن مصلحة شؤون القبائل، واعتماد رواتب شهرية لعدد كبير من المشائخ.
- توطيد العلاقة الاجتماعية بين أسرة الرئيس صالح وكبار المشائخ بواسطة المصاهرة والشراكة التجارية.
- منح بعض المشائخ اعتمادات مالية مقابل حماية أنابيب البترول التي تمر عبر أراضيهم.
- إغداق الأموال والعطاءات على المشائخ ومنحهم أراضي تابعة للدولة, إضافة إلى الإعفاءات الضريبية والجمركية.
- إدماج المشائخ وأبناء القبائل في الجيش وتسهيل التحاق الراغبين منهم إلى الكليات العسكرية.
- اعتماد مشاريع تنموية للمناطق الريفية بنظر المشائخ.
المؤسف أن الامتيازات أعلاه لم ينتج عنها مردود إيجابي لصالح نفوذ الدولة، وهو ما دفع النظام الحاكم لتوطين معسكرات للجيش في المناطق القبلية، كوسيلة مضافة لإخضاع أي تمرد على الدولة من قبلهم، غير أن هذه الوسيلة أيضا لا تبدو فاعلة، ففي المناطق الجبلية الوعرة يتعذر على الجيش إخماد أي اضطراب ينشأ هناك، الأمر الذي أنتج ردود فعل معاكسة عززت من قوة القبائل على حساب هيبة الدولة وجيشها.
لقد أنتجت حالة الاصطدام بين السلطة والقبائل أجواء غير مستقرة ساعدت على تضخم العصبية القبلية إلى الدرجة التي يرى البعض أنها انحرفت عن حالتها المعتادة لتتخذ صورة مغايرة لأعراف القبيلة ذاتها، وتجلى ذلك في أعمال العنف التي استمرأ المشائخ والقبائل اللجوء إليها عند أي إشكال يواجهونه مع أجهزة الدولة أو حتى مع الصحافة والأحزاب ورجال الأعمال.
مأزق الديمقراطية
ومعروف أنه "حيثما تقوى السلطة المركزية تضعف القبيلة" والعكس صحيح، فالتعصب القبلي إنما يتنفس في ظل تراجع السلطة المركزية وترهل الدولة.. والضحية هنا المجتمع المدني الحديث النقيض بطبيعته للمجتمع العشائري – القبلي، ويعمل المجتمع المدني – وفقاً لفؤاد الصلاحي – على تنمية روح المواطنة داخل المجتمع بحيث يشعر جميع الأفراد مع اختلاف تقاليدهم وعاداتهم وانتماءاتهم العصبوية بوحدة الشعور والانتماء العام إلى وطن ومجتمع واحد ودولة واحدة تعبر عن أهدافهم وتحقق مصالحهم المشتركة.
ويعتبر مبدأ المواطنة أساس البناء الاجتماعي الذي تستند إليه الدولة الحديثة، لكن القهر والقمع والتسلط الذي جاءت به الدولة الشمولية التسلطية بدد أية أوهام حول إمكانية أن يسود مفهوم المواطنة بديلاً عن غيره من الانتماءات. ذلك ما يذهب إليه مازن النجار الذي يكاد يجزم أن ممارسات الدولة الشمولية أدت بشكل غير مباشر إلى إعادة الحيوية للقبيلة.
وبنظري فإن حيوية القبيلة في اليمن تحول دون المواطنة المتساوية، فعوضاً عن العصبية المقيتة التي تقوم عليها، فإن القبيلة تكرس العنصرية والطبقية بين الأفراد المنتمين إليها، فهناك السادة وهناك المشائخ وهناك القضاة وهناك الفلاحون، ويأتي في أدنى التراتبية الاجتماعية القبلية أبناء الخمس ومن يشتغلون في المهن الحرة.
لذا ليس مستغربا أن تبدو الديمقراطية الوليدة في اليمن كسيحة وشكلية فنجاحها – كما يذهب فؤاد الصلاحي – مرهون ببناء المجتمع المدني واستمرارية تطوره، ذلك أن كليهما يعتمدان على نسق ثقافي واحد يتمحور حول المقولات الثقافية التالية: التعددية، الحرية، التسامح، الحوار، التنشئة، الرأي الآخر, التداول السلمي للسلطة. و جميعها تشكل فلسفة العمل الأهلي والإطار المعرفي للديمقراطية.
ويعترض محمد جابر الأنصاري على إمكانية تطوير القبيلة في إطار تقاليدها القائمة إلى ديمقراطية حديثة، مؤكداً على ضرورة تذويب القبائل في بوتقة مجتمع مدني حديث يحرر الأفراد من حتمية القرابة إلى فضاء الديمقراطية والاختيار الحر.
إن المأزق الذي تعيشه الديمقراطية اليمنية في ظل رسوخ العصبية القبلية الحاكمة للدولة والمجتمع يستوجب الشروع في إصلاحات شاملة تستهدف بناء الدولة المدنية الحديثة وتعزيز المواطنة المتساوية وإشراك القبيلة في التنمية والتحديث.
المهم أن عملية الإصلاح التي يتعين على السلطة إنجازها بمساعدة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني يجب النظر إليها كمنظومة متكاملة بعيداً عن التجزئة التي اعتاد النظام عليها في معالجة الظواهر والأزمات. وأرى هنا أن منظومة الإصلاحات التي تستهدف تحديث القبيلة وتعزيز المجتمع المدني الحديث يجب أن تتضمن:
1. توسيع صلاحيات المجالس المحلية وتطوير قانون السلطة المحلية بحيث يمنح المواطنين حق انتخاب المحافظين ومدراء المديريات كما ينتخبون رئيس الجمهورية.
2. الأخذ بنظام الغرفتين بحيث تستوعب السلطة التشريعية في الغرفة الثانية (مجلس الشورى) الفئات الجديدة التي تمثل المجتمع المدني الحديث بعد أن سيطر المشائخ على مجلس النواب القائم.
3. تعديل النظام الانتخابي المعمول به إلى نظام " القائمة النسبية " الذي تجد فيه الأحزاب والنساء فرصاً أفضل في الانتخابات النيابية.
4. إصلاح التعليم منهجاً وإدارة وتضمين المناهج الدراسية المفاهيم الحديثة: الديمقراطية، الحرية، المواطنة، المساواة، وحقوق الإنسان.
5. الإصلاح الزراعي ودعم المزارعين، باعتبار الزراعة أهم النشاطات الاقتصادية التي يعمل فيها أبناء القبائل.
6. تعزيز استقلالية القضاء، وتحسين أدائه، وتمكين المواطنين من القضاء العادل بعيداً عن جور الأعراف القبلية التي تعزز من سلطة المشائخ وتحد من خيارات المواطنين.
إن الاتجاه إلى "تحديث القبيلة " المقترح هنا لا يعني إلغاءها وتجاهل قوتها، فالظاهرة العشائرية – كما يذهب زيد الوزير – ليست نتيجة عصور الفوضى والانهيارات، بل هي أصل من أصول اللعبة السياسية في اليمن على مر العصور. والمشكلة الأخطر التي يحذر منها الوزير هي أن الحكم عند "العالم المتخلف" هو غنيمة من ناحية، واغتصاب من ناحية أخرى. وبين الغنيمة والاغتصاب يشارك المشائخ في اقتطاع حصص لهم، لكنهم عند ظهور الأسد الباطش يلتجئوا إلى الكامن ليتربصوا به، وليثبوا عليه عندما يبلغ من العمر عتياً!
بقي القول إن تجاهل الظاهرة القبلية- التي تعد ثابتاً تاريخيا، ما إن تضمر وتتلاشى حتى تستعيد قوتها وحيويتها من جديد- يعد خطرا كبيرا يمنيا وعربيا، وعندئذ – والمقولة لمحمد جابر الأنصاري – فمن المؤكد أن القبيلة ستصبح مفاجأة العروبة المحزنة.. والمؤلمة لنفسها!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























سبتمبر 29th, 2008 at 29 سبتمبر 2008 7:18 م
عندما نلتحف الفقر .. ونتوسد الجوع .. ونفترش الخوف .. ونتغذى على القهر..
عندما يصبح الجاهل سيداً مهاباً .. والعالم عبداً مهاناً .. والوزير نصف متعلم .. والمحافظ نصف أميّ .. والنائب في البرلمان أميّ ولا فخر ..
عندما لا يأمن الأب على أولاده من الذهاب إلى المدرسة .. ويخاف المرء على حياته من أن تسرق منه في أي لحظة ..
عندما يكون الحال كذلك ، فلا يملك الأحرار من خيار سوى الثورة ..
الثورة التي تعني رفض المفاهيم السائدة والتي على رأسها: أن أفراد الشعب كلهم موظفون لدى الحاكم، أو ان الشعب في خدمة الرئيس..
إذا الشعب يوماً أراد الحياة ***فلا بد أن يستجيب القدر