الاسلام والاصلاح
كتبهاabdulla sabari ، في 6 مايو 2007 الساعة: 15:22 م
الاسلاميون والنظام الديمقراطي
الرهانات والشروط والعوائق
صلاح الدين الجورشي
إذا كان القرن العشرين قد شكل الإطار التاريخي الذي نشأت فيه ما أصبح يسمى بحركات الإسلام السياسي، فهل يشهد القرن الجديد إدماجها في النظام الديمقراطي الذي يفترض أن يسود مناطق العالم الإسلامي، بعد أن فشلت مختلف أنظمة الاستبداد في تحقيق التنمية وحماية الاستقلال الوطني؟. فمنذ أن تأسست حركة «الإخوان المسلمون» عام 1928م، التي كانت تعتبر كبرى الحركات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط، والمعركة مستمرة بين الإسلاميين وأنظمة الحكم التي انتهجت كل الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة من أجل القضاء على هذه الجماعات الطامحة نحو الوصول إلى السلطة وتغيير نمط المجتمع. تلك المعارك القاسية التي عاشتها معظم البلاد العربية لم تفشل فقط في القضاء على هذه الحركات، بل زادت من تعقيد الظاهرة وحولتها إلى مصدر خطير من مصادر التوتر والتأزيم المتواصل محلياً وإقليمياً وحتى دولياً. وعندما يفشل العنف في حل الخلافات والنزاعات يصبح البحث عن الحلول السياسية هو الخيار الأفضل. ومن هنا يطرح التساؤل حول مدى إمكانية تحقيق نتائج إيجابية في عملية إدماج الجماعات الإسلامية في صلب الأنظمة الديمقراطية.
لن نتوقف عند الأسباب التي أدت إلى تفجير الصراع التراجيدي بين الإسلاميين ومعظم أنظمة الحكم، فذاك موضوع درسه الكثيرون ويطول شرحه، وإنما ستحاول هذه الورقة مواجهة الإشكالية التي طرحها المبادرون إلى تنظيم هذه الورشة بطريقة مباشرة. وما يتبادر إلى الذهن عند محاولة الإجابة عن السؤال المطروح، هو البحث أولاً عن الطرف أو الأطراف التي لها مصلحة في المراهنة على إنجاح مبادرات إدماج الإسلاميين في محاولات التحول الديمقراطي الجارية هنا وهناك؟. وثانياً تحديد الشروط المساعدة على تحقيق عمليات الإدماج؟ وثالثاً مدى استعداد هذه الجماعات والحركات للإنخراط الفعلي والكامل فكرياً وسياسياً في المنظومة الديمقراطية؟
أصحاب المصلحة
يفترض أن تكون هناك أكثر من جهة تشعر بأنهاستستفيد من تحقيق تقدم ملموس على درب إدماج الإسلاميين في مسار سياسي إصلاحي يرمي إلى تأسيس دولة ديمقراطية، مرتكزة على القانون والمؤسسات والتداول السلمي على السلطة. فإلى جانب قطاع عريض من الإسلاميين الذين ستوفر لهم الديمقراطية نمواً سليماً وتمكنهم من فرص لاختبار قدراتهم على التأثير والاستقطاب، يمكن الإشارة إلى ثلاثة أطراف أخرى.
أول هذه الجهات المفترضة هي شعوب المنطقة التي ستستفيد قطعاً من الديمقراطية حتى وإن لم تع العلاقة العضوية القائمة بين تدهور أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبين الاستبداد السياسي. فالمواطن المنهمك في دورة الحياة اليومية الصعبة والمعقدة، قد لا يرى أي رابط بين دعم التعددية الحزبية وحرية الصحافة واستقلال القضاء وضمان نزاهة الانتخابات وبين تحسين دخله وتخفيف وطأة غلاء المعيشة وتحسين الخدمات الصحية، خاصة إذا كان هذا المواطن يعيش في بلد توجد فيه تعددية حزبية ضعيفة شكلية، أو حرية نسبية في مجال التعبير.
إن تشريك المواطنين في صناعة مصيرهم الجماعي سيكون له تأثير إيجابي وملموس على مجمل أوضاعهم، بالرغم من ضرورة الإقرار بأن الديمقراطية ليست مفتاحاً سحرياً لحل كل مشكلات المجتمع. أما عن علاقة ذلك بإدماج الجماعات الإسلامية في المنظومة الديمقراطية فتكمن فيما سينجرُّ عن عملية الدمج من وضع حد للنزيف القائم، وتحويل ما تملكه هذه الجماعات من طاقة وحماس وقدرة على الاستقطاب إلى جهود تنصب في خدمة الناس والمجتمع، بدل أن تذهب سدى في معارك مضارها أكثر من منافعها. وقد بينت الوقائع والتجارب أنه عندما يسمح للحركات الإسلامية بحرية النشاط، فإن العديد منها يتجه نحو بذل قدر من الجهد في خدمة الناس، سواءً قياماً بالواجب بنية التقرب إلى الله، أو بغرض كسب الولاء السياسي والاستقطاب. وفي الحالتين سيكون المواطنون من بين أبرز المستفيدين. كما أن عملية الدمج ستخفف كثيراً من حالات الغلو والتشدد الايديولوجي لدى الإسلاميين، وهي ظاهرة طالما تضررت منها المجتمعات قبل الأنظمة، لما لها من تداعيات سلبية على معتقدات الجماهير وتوازناتهم الروحية والاجتماعية.
المستفيد الثاني من عملية الدمج هي بعض شرائح النخب المحلية التي طالما رأت في الحركات الإسلامية عاملاً غير قابل للتحكم بمعادلات التغيير الاجتماعي والسياسي.
فبالرغم من أن هذه الحركات تمثل طموحاً مشروعاً لبعض القوى والشرائح، إلا أنها سرعان ما تتحول إلى معضلة ثقافية وأمنية وسياسية تزيد من إرباك النخب، خاصة ذات التوجه العلماني، التي وجدت نفسها في أكثر من بلد مخيرة بين الوقوف إلى جانب الأنظمة وبالتالي الموافقة على سياسات القمع وغض الطرف عن انتهاك حقوق الإنسان، أو الانحياز لتلك الحركات رغم الاختلافات الجهورية معها في نمط المجتمع والدولة. لهذا فإن تحقيق تسوية ديمقراطية لملف هذه الحركات من شأنه أن يحرر النخب من ذلك المأزق التراجيدي ويجعلها أقدر على القيام بدورها النقدي لمختلف الأطراف. يضاف إلى ذلك أن اندماج الإسلاميين في المنظومة الديمقراطية ولو بشكل جزئي من شأنه أن يساعد أيضاً على تدريبهم لتحمل مخالفيهم في الفكر والسياسة، وبالتالي تخفيف حملة الضغط التي تمارسها عديد الجماعات على المثقفين، والتي قد تبلغ أحياناً درجة التكفير والتخوين والتهديد بالتصفية والاغتيال.
الديمقراطية لن تنهي حالة الاشتباك بين الحركات الإسلامية والتيارات العلمانية، بحكم أنها لاتلغي الاختلاف والتناقض لكنها تغير أسلوب التعامل بين الأطراف وتفرض عليها التعايش رغم استمرار الصراع.
المستفيد الثالث من عملية الإدماج هي الأنظمة القائمة. هذه الأنظمة التي تتحدث باستمرار عن خطر الحركات الإسلامية على الأمن والاستقرار، والتي أنفقت ولا تزال أموالاً وجهوداً ضخمة لمحاصرتها وإضعافها وتجفيف منابعها. والعديد من هذه الأنظمة يتعرض منذ سنوات لانتقادات منظمات حقوق الإنسان بسبب أخطائها والتجاوزات الخطيرة التي ارتكبتها في حق المساجين الإسلاميين الذين عذبوا أو أعدموا في بعض البلدان، وأقيمت لجميعهم تقريباً محاكمات غير عادلة. لهذا يفترض أن تشعر هذه الأنظمة بالارتياح عندما تصبح هذه الحركات جزءاً من القوى السياسية التي تعمل على السطح وتتحرك في العلن وتخضع لقواعد اللعبة السياسية، فعندها يُعرف حجمها، ويسهل التعامل والتفاوض معها، مما يفقدها التمتع بميزات الضحية ويجعلها عرضة للنقد والتقييم ومحاسبة الجماهير لأدائها.
لقد استفادت بعض الأنظمة العربية عندما انفتحت سياسياً وانتهجت أسلوب تشريك بعض حركاتها الإسلامية في نوع من الحياة السياسية القائمة على التعددية والتناوب البرلماني.
فالنظام الأردني نجح إلى حد كبير في كسب ولاء حركة الإخوان عندما سمح لها بالمشاركة في الانتخابات العامة واحتلال عدد من المقاعد في البرلمان، بل والمشاركة أحياناً في تشكيل بعض الوزارات. لهذا تجنبت الحركة الدخول في مواجهات عنيفة وشاملة مع السلطة، ولم تقدح في شرعية الأسرة الحاكمة، واعتبرت أن مصلحتها تكمن في الدفاع عن النظام السياسي ضد مختلف المخاطر الداخلية والخارجية مع العمل على تطويره. وتكررت نفس التجربة مع النظام الملكي المغربي الذي بعد تردد وتوجس دام سنوات طويلة انفتح على جزء من القوى الإسلامية ممثلة في «حزب العدالة والتنمية» الذي يشكل حالياً الحزب الثالث في البلاد. فهذا الحزب، خلافاً لجماعة «العدل والإحسان» التي يقودها (الشيخ عبدالسلام ياسين)، قرر في سياق عملية التطبيع مع السلطة الاعتراف بالشرعية الدينية والسياسية للملك الراحل الحسن الثاني، ثم لابنه محمد السادس الذي تعتبره(أميراً للمؤمنين)
ولم يقتصر الأمر فقط على بعض الأنظمة الملكية التي انتهجت سياسة الإصلاح الديمقراطي، بل إن سياسة الحوار والمشاركة التي انتهجها الرئيس بوتفليقة مع بعض الأحزاب الإسلامية الجزائرية حولت «الحركة من أجل السلم» ذات التوجه الإخواني، التي أسسها المرحوم «محفوظ نحناح»، من حركة معارضة جنحت في البداية إلى العنف، حيث اعتقل زعيمها في السبعينات خلال حكم الرئيس الراحل هواري بومدين، أثناء محاولة قيامه بعمليات تخريبية (قطع خطوط الهاتف)، إلى حركة حليفة وضعت مصداقيتها في الميزان وجندت كل طاقاتها دفاعاً عن ترشيح رئيس غير إسلامي (بوتفليقة) ضد مرشح إسلامي هو «الشيخ عبدالله جاب الله».
كما استطاع الرئيس اليمني علي عبدالله صالح إقامة تحالف «شبه مقدس» مع أهم حركة إسلامية في البلد «حزب الإصلاح اليمني» الذي وقف بكل قوة مع النظام ضد خصومه من الاشتراكيين واعتبر الحزب قتالهم «جهاداً». ويندرج في نفس السياق مثال «حزب الله» في لبنان. فبالرغم من أن هذا الحزب يضم جناحاً مسلحاً، إلا أن النظام السياسي الطائفي، على علاته قبل به واعتبره إحدى القوى السياسية الرئيسية الضامنة للوحدة الوطنية. هذا الانفتاح والقبول ساعد على تحقيق حالة الانضباط العالية التي يتمتع بها هذا الحزب الإسلامي، مما جعل كل القوى السياسية تقريباً تقف إلى جانبه عندما حاولت الولايات المتحدة الضغط على لبنان لتجريده من أسلحته بعد أن صنفته ضمن «الحركات الإرهابية».
بناءً على تلك الأمثلة وغيرها يتبين أن أنظمة الحكم يمكن أن تستفيد بشكل مباشر إذا انتهجت أسلوباً سياسياً مغايراً قائماً على تشريك من ترى فيهم خصوماً استراتيجيين.
عوائق الإدماج وشروطه
هناك عوائق عديدة يمكن أن تحول دون إدماج الإسلاميين في مسارات التحول الديمقراطي التي أصبحت ضرورية في المنطقة العربية. وهذه العوامل متداخلة بين ما هو ثقافي واجتماعي وسياسي. لهذا سنقتصر في هذه الورقة على الإشارة لبعض العوائق المتعلقة بالمجال السياسي.
تشكل معظم الأنظمة العائق الرئيسي لتحقيق مثل هذه المهمة فبالرغم من المكاسب التي يمكن أن تجنيها من عملية الدمج، والتي سبق أن تمت الإشارة إلى بعضها، فإن أغلب الأنظمة لا تزال تخشى خوض مثل هذه التجربة، وتعتقد بأن مضارها أكثر من منافعها.
وهي تخشى أساساً أن تتمكن الجماعات الإسلامية من استثمار مناخ الحرية، وتنجح في استغلال الفرص التي توفرها الأنظمة الديمقراطية، مما يحولها في وقت وجيز إلى قوة سياسية ضاربة وقادرة على تهديد موازين القوى في أكثر من بلد. وعادة ما تدعم هذه الأنظمة موقفها باللجوء إلى نجاح «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» الجزائرية في أول انتخابات ديمقراطية تنظم بالبلاد بعد انهاء حالة الاحتكار السياسي. وبالرغم من الملابسات الخاصة بهذا المثال، فإن الاحتجاج به يضع هذه الأنظمة في موقف الضعف والخوف من التغيير.
فهل تكون الخشية من احتمال حصول الإسلاميين على أغلبية الأصوات في انتخابات نزيهة سبباً شرعياً لمنع الديمقراطية أو إقصائهم وحرمانهم من حقوقهم السياسية، بما في ذلك الوصول إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع؟
إن طرح المشكلة بهذه الطريقة يدفع إلى إثارة مسألة بناء شرعية أنظمة الحكم في المنطقة العربية. هذه الأنظمة التي أفرزتها عوامل تاريخية وسياسية عديدة لم تكن الديمقراطية من ضمنها. بقدر ما حظيت الولادة بتزكية جماهيرية وإجماع سكوتي، فإن تطور الوعي العام، وفشل الدولة الوطنية في تحقيق أهدافها والوفاءبوعودها، إلى جانب ترهل الأنظمة وتعدد حالات وحركات الاحتجاج، كل ذلك وغيره من العوامل والمتغيرات دفع نحو ضرورة استبدال الشرعية التاريخية بالشرعية الديمقراطية.
بناءً عليه يصبح التلويح بورقة «التهديد الإسلامي» لتأجيل الإصلاح السياسي الديمقراطي غير مقنع، لأن الكثير من هذه الأنظمة لا تقف مشكلتها عند حدود هذه الجماعات التي اختار بعضها العنف، ولكنها تمتد لتشمل أيضاً مختلف القوى السياسية والاجتماعية التي قد تؤهلها الظروف للتطور والنمو. فالمشهد السياسي العام بالمنطقة يعطي أكثر من دليل للقول بأن أزمة الشرعية التي تعاني منها «الدولة» في البلاد العربية هي التي أعاقت تحولها إلى دولة ديمقراطية، وجعلتها تختلق في كل مرحلة تبريراً داخلياً أو خارجياً لإجهاض أي إصلاح سياسي حقيقي. فهذه الأنظمة تخشى من أن تعجل الديمقراطية من تفككها وزوالها، سواءً على أيدي الإسلاميين أو غيرهم.
العائق الثاني تمثله بعض أطراف النخبة والأحزاب العلمانية التي تشكك بدورها في جدوى الرهان على دمج الإسلاميين في المنظومة الديمقراطية. ويؤسس أصحاب هذا الرأي موقفهم على ما تتضمنه كتابات الإسلاميين من مواقف وإشارات متعارضة مع أسس النظام الديمقراطي، ويؤولون مظاهر الاعتدال في خطاب بعض الحركات الإسلامية، فيعتبرونها مناورة من أجل الانقلاب على الديمقراطية بعد ضمان الوصول إلى السلطة. وغالباً ما يبرزون التجارب المعاصرة للإسلاميين في الحكم ويتخذونها دليلاً على استحالة التعايش معهم نظراً للتباينات الجذرية في الثقافة السياسية وطبيعة المجتمع والدولة.
إن نقطة الخلاف المركزية مع هذه الأطراف تتمثل في مصادرتها المسبقة للمجهول وإصدار أحكام مطلقة دون إعطاء فرصة للتجربة والمحاولة. إن الكثير من اعتراضاتها على الجماعات الإسلامية لا تخلو من وجاهة، ويوجد ما يدعمها في النصوص والوقائع والتجارب، لكن ذلك ليس كافياً لتبرير إقصاء الخصوم السياسيين، خاصة بعد أن تبين حجم التكلفة التي ترتبت على محاولات التخلص منهم بعيداً عن القانون وصناديق الاقتراع ودولة المؤسسات. إن موقفاً مثل هذا يوقع أصحابه في مأزق خطير، لأنه يجعلهم يحاولون عملياً المحافظة على واقع غير ديمقراطي، في حين أنهم يطالبون بتغييره على مستوى الخطاب والشعار. فالديمقراطية غير قابلة للتجزئة أو أن يتمتع بها البعض ويحرم منها آخرون. وبعد أن فشلت كل الجهود الرسمية وغيرها لإجبار الإسلاميين على التخلي عن العمل السياسي، أصبحت عملية دمقرطة النظام العربي بدون تشريكهم وإدماجهم هدفاً غير ممكن التحقيق، إلى جانب كونها مهمة مناقضة في جورها وأسسها للمنظومة الديمقراطية. وإذا كانت عملية دمج الإسلاميين في النظام الديمقراطي صعبة ولا تخلو من مخاطر وانزلاقات محتملة، غير أنها ضرورية ولا بديل عنها في منطقة معقدة مثل المنطقة العربية الإسلامية.
لقد بينت وقائع عديدة أن بعض الأحزاب التي لها خصومات مع الإسلاميين، تخشى الدخول معهم في تنافس ديمقراطي مفتوح، مما يكشف عن محدودية هذه الأحزاب وضعفها وعزلتها عن أغلب المواطنين. ولا شك في أن سعي الأنظمة نحو إضعاف معارضيها، وعدم تمكينهم من تأسيس أحزاب حقيقية وجماهيرية قد ساعد كثيراً في إفراغ الساحة، وقلل من إمكانيات ظهور بدائل سياسية مقنعة وذات مصداقية. وإن افتقار الكثير من البلدان العربية لأحزاب وجبهات سياسية ليبرالية أو يسارية ذات وزن وفعالية من شأنه أن يزيد من إثارة المخاوف من احتمال تحقيق الإسلاميين لاكتساح واسع للسلطة في أكثر من بلد عربي، وهو ما يجعل المعادلة مختزلة في شعار «أنا أو الطوفان». ولعل حرص بعض الأنظمة على تعميق الفراغ السياسي وسعيها لإجهاض كل الشروط المساعدة على قيام حركات اجتماعية جديدة، يندرج ضمن وضع مجتمعاتها والأطراف الدولية أمام خيارين لا ثالث لهما، إما القبول ببقائها والاستمرار في دعمها وغض الطرف عن طريقتها في ممارسة الحكم، أو مواجهة «البديل الإسلامي».
العائق الثالث خارجي وليس داخلياً، ويتمثل في بعض السياسات الدولية الموجهة نحو المنطقة العربية والإسلامية. فظاهرة التطرف الديني التي تعاني منها المنطقة لها أسبابها الموضوعية لكنها تتغذى مما يجري في فلسطين وحالياً في العراق. وقد زادت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في تعميق حالة الخوف ليس فقط من الإسلاميين، بل أيضاً من الإسلام والمسلمين. كما سادت نظرة التوجس من جميع الإسلاميين والخلط بين فصائلهم وتياراتهم، واعتبارهم جميعاً مشاريع إرهابية. هذا الخلط زاد في تعقيد الصورة وانعكس بشكل خطير على الأوضاع الداخلية لأكثر من بلد عربي. فمن جهة حاولت القوى المحافظة استثماره في اتجاهات مختلفة يلتقي جميعها حول تأجيل الإصلاح السياسي الديمقراطي. فالأنظمة رحبت بالدعوة إلى إعطاء الأولوية للأمن، وانشغل آخرون بالحديث عن عودة الاستعمار، أما الخطاب الإسلامي فقد وجد نفسه محصوراً مرة أخرى داخل دائرة مصطلحات الجهاد والمقاومة والعنف والإرهاب. فبدل أن يتجه الفكر الإسلامي نحو التحرر من الرؤية التقليدية للعالم والدولة والعلاقة مع الآخر، تعمل أطراف تدعي امتلاك الحقيقة على إبقائه داخل دوامة الدفاع عن هوية مفصولة عن الحرية والمصالح وحقوق الإنسان.
شروط إدماج الإسلاميين في النظام الديمقراطي
في ضوء ما تم استعراضه من مقدمات يمكن تقسيم الشروط المساعدة على تحقيق الدمج المطلوب إلى ثلاث دوائر:
أولاً: تحقيق الإصلاح السياسي:
أ. لا يمكن الحديث عن أية إمكانية لإنجاز عملية دمج الإسلاميين إلا إذا تسارعت وتيرة دمقرطة أنظمة الحكم في المنطقة. وهذا يعني عدم ربط مسألة الإصلاح بأية قضايا أخرى سواء داخلية أو إقليمية أو دولية. فمثلاً الاصلاح غير مرتبط بتسوية القضية الفلسطينية التي لها ديناميكيتها المستقلة عن مسار بناءالديمقراطية داخل كل بلد عربي. بل إن قوى المجتمع المدني الفلسطيني رفضت هذا الربط، واعتبرت في اكثر من وثيقة أن التقدم في عملية الإصلاح عربياً سيكون له نتائج إيجابية على مسار القضية الفلسطينية. كذلك لا يصح ارتهان الإصلاح بانتظار ما ستسفر عنه الحرب الدائرة ضد ما يسمى بالإرهاب. بل لعل العكس هو الصحيح، فالقيام بعمليات إصلاح حقيقية على مختلف الأصعدة العربية من شأنه أن يجفف المصادر السياسية والاجتماعية لحالات الجنوح نحو العنف، بما يوفره من فرص لتحقيق التغيير عن طريق وسائل سياسية وعقلانية.
ب. إعادة بناء شرعية أنظمة الحكم، وذلك بالشروع في تغيير طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. لايعني ذلك بالضرورة تغيير الأنظمة القائمة عن طريق الثورة أو التدخل الخارجي، لأن التغيير الداخلي فاقد لشروطه العملية في ظل موازين القوى الراهنة، في حين أن الخيار الثاني يؤدي إلى الوقوع في براثن الاستعمار، إضافة إلى عدم ضمان نتائجه. فالتغيير النسبي الممكن لن يتحقق إلا في ظل الأنظمة القائمة وبمساعدتها والضغط عليها. ومن هنا تعتبر الإرادة السياسية شرطاً ضرورياً لتحقيق عملية دمج الإسلاميين في سيناريو التحول الديمقراطي.
ج. ضرورة انخراط النخبة والأحزاب في هذا الاختيار الاستراتيجي، وذلك بالبحث عن مبرراته السياسية، والتقليل من احتمالات فشله. ومما يساعد على ذلك تجنب التعميم في إصدار الاحكام على الإسلاميين، والتمييز بين معتدليهم ومتطرفيهم. فالإسلاميون وإن تشابهت بعض شعاراتهم وأهدافهم، تشقهم فعلاً خلافات شكلية واخرى جوهرية. فحركة طالبان تختلف عن حركة الإخوان المسلمين، التي بدورها مختلفة في بنيتها التنظيمية وثقافتها السياسية عن حزب الله. حتى داخل ما يسمى بالتنظيم الدولي للإخوان توجد فوارق حقيقية وليست تكتيكية بين الأعضاء. ومع التسليم بأن الحذر واجب والنقد مطلوب، لكن الانطلاق من الإيجابيات التي تتوفر في هذا التنظيم أو ذاك من أجل دعمها وتعميقها من شأنه أن يطور الخصوم ويقلل من حجم الفجوة بينهم وبين المنظومة الديمقراطية. ليس المطلوب في هذا السياق الدعوة بالضرورة إلى إقامة تحالفات مع هذه الحركة أو تلك، فتلك مسألة موكولة لتقدير كل حزب وحسب ظروف كل بلد، لكن الأهم من هذه الجوانب التكتيكية هو تجنب الإقصاء والدفع في اتجاه احتواء الإسلاميين كلما كان ذلك ممكناً. فالصراع الذي يحسم داخل الأطر الديمقراطية يفقد أصحابه مبررات تحويله إلى حرب مفتوحة.
ثانياً: مسؤولية الإسلاميين
يتحمل الإسلاميون قسطاً هاماً من المسؤولية في أي مسار يهدف إلى اندماجهم في المنظومة الديمقراطية. فهم كانوا ولا يزالون يعتبرون أنفسهم ضحايا الإقصاء والتعسف، وبالتالي من مصلحتهم التكيف مع مقتضيات النظام الديمقراطي التي يتداخل فيها الفكري والسياسي. من هذه المقتضيات:
> إنهاء حالة الغموض الذي يكتنف كلمة «الدولة الإسلامية» التي يتخذها معظم الإسلاميين هدفاً لمشروعهم السياسي. هل هي منافية من حيث خصائصها ووظائفها عن الدولة الديمقراطية؟. هل هي بديل مفترض عن الدول القائمة حالياً التي يجب أن تزول بحجة كونها غير إسلامية وتترك المجال لهذه الدولة المحتملة؟. هل أنه بمجرد التنصيص في الدستور على اتخاذ الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع من شأنه أن يكسب الدولة صفة «الإسلامية»؟. لا شك في أن الإسلاميين كتبوا الكثير عن هذا الموضوع، وبعضهم نجح في تخطي بعض العقبات باتخاذ مواقف اجتهادية جريئة، غير أن ما تم إنجازه حتى الآن لم يكن كافياً لتوضيح موقفهم من مسألة تحديد طبيعة الدولة. ولا يعود ذلك فقط إلى تشكيك خصومهم في نواياهم ولكن أيضاً لاستمرار ضعف الفكر السياسي لدى الكثير منهم، واحتوائه على تناقضات حادة تلغي أحياناً ما تم إنجازه في نفس المجال.
وهو ما يفسر ترددهم في حسم بعض القضايا الخاصة بالحريات العامة والفردية، أو المتعلقة بالأقليات ومبدأ المواطنة. فالتجارب الثلاث، التي انفرد فيها الإسلاميون بالسلطة «إيران والسودان وأفغانستان»، تشترك في إخفاقها الكامل في حل التناقض بين الدولة والحريات.
> ضرورة تسليمهم بأن الديمقراطية اختيار وليست تكتيكاً. وهذه المسألة ليست شكلية أو أنها وليدة المهاترات السياسية. فهناك من الإسلاميين من حاول إقناع إخوانه بتبني الديمقراطية لأن الشعوب مسلمة وبالتالي فإنها ستختار «الإسلام» أي «الحركة الإسلامية». فتبني الديمقراطية من هذه الزاوية لم يكن نتيجة اقتناع بكونها النظام الأقل سوءاً لحسم إشكالية الحكم، وإنما بناءً على اعتقاد مسبق بأنها أفضل الوسائل لسحب البساط من الخصوم، والمراهنة على تجييش المشاعر الدينية لكسب الأغلبية وتحويل المعركة من إطارها السياسي إلى نزاع مذهبي بين مؤمنين وعلمانيين. كما أن الديمقراطية ليست أقصر وسيلة لإقامة الدولة الإسلامية على أنقاض الدولة الديمقراطية. وهذه إشكالية مرتبطة بالملاحظة السابقة، ونجد لها أكثر من سند في بعض كتابات إسلاميين يحاولون التوفيق بين ما يفرضه ميزان القوى الحالي وبين غائية المشروع السياسي للحركات الإسلامية. فالغنوشي على سبيل المثال، الذي يعتبر من أشد القيادات الإسلامية دفاعاً عن ضرورة تبني الإسلاميين للخيار الديمقراطي، يعتبر بأن «التسليم بوجود نظرية للحكم الإسلامي من واجبات المسلمين الدينية أفراداً وجماعات العمل على إقامتها». ثم يضيف تأكيداً آخر حول ضرورة «الاعتراف بعدم قيام الحكم الإسلامي في الظرف الزماني والمكاني موضوع البحث، وإلا لوجب على المسلم ديناً أن يواليه ويدعمه، وأن يعمل على إصلاح ما عساه يكون قد اعتراه من فساد». وبهذا ينفي الغنوشي صفة الإسلام على جميع الأنظمة القائمة حالياً في المنطقة، بما في ذلك النظام الإيراني، حسبما يمكن فهمه من إطلاقية الصيغة التي استعملها. من هنا يصبح التعامل مع الأنظمة السياسية الحالية هو من باب الاستثناء وحكم الضرورات، وهو ما يقتضي إدخال تعديل على استراتيجية الحركات الإسلامية. وبناءً عليه يصبغ الغنوشي المشروعية الفقهية على التحالف مع الأحزاب العلمانية «من أجل إقامة نظام ديمقراطي علماني وتأجيل مطلبها في الحكم الإسلامي ريثما تنضج الظروف». لكن المشكلة الأساسية تكمن في ماهية هذا «الحكم الإسلامي» الذي يختلف عن الحكم الديمقراطي، وثانياً في تحديد ما المقصود بـ«تنضيج الظروف».
> تجنب كل أشكال الازدواجية في الخطاب والتنظيم والقيادة ورسم الاستراتيجيات. فالعمل ضمن النظام الديمقراطي يفرض الشفافية التنظيمية والمالية، واحترام قواعد اللعبة، والخضوع للقانون والمؤسسات. إنه تصور مختلف عن مفهوم «الجماعة»، ينبذ تعدد الأدوار، أو الخلط بين العمل الخيري أو الدعوي وبين العمل السياسي.> الامتناع عن تحويل التنافس السياسي إلى معارك دينية من أجل التشكيك في الهوية العقائدية للخصوم. فالمفترض في النظام الديمقراطي أن يكون التنافس قائماً بين برامج حزبية لا بين جبهتي كفر وإيمان. فذلك من شأنه أن يلغم العملية الديمقراطية ويقوض الوفاق الأدنى الذي يقوم عليه النظام الديمقراطي.
> الإسلاميون مدعوون إلى شيء آخر لا يعتبر في حد ذاته أصلاً من أصول النظام الديمقراطي الذي يسمح بالتنافس الكامل بين الفرقاء، وأن تكون الكلمة الأخيرة للناخبين.
لكن نظراً لخصوصيات التحول الديمقراطي في المنطقة، وحالة الخوف والتوجس من احتمال حدوث انقلاب مفاجئ وشامل في موازين القوى، فإن الأحزاب والجماعات الإسلامية التي قبلت الانخراط في المنظومة الديمقراطية مدعوة إلى أن تضبط قواعدها، وتتحكم في جنوح أعضائها نحو الانتظار وأن تكبت رغبتها المشروعة في الوصول إلى السلطة. إن الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، والوضع الدولي المتوجس من أي صعود سياسي ديني هنا أو هناك، وعدم ترسخ القيم الديمقراطية لدى الكثير من الإسلاميين، وعدم امتلاك أغلب الحركات الإسلامية العربية لبرامج سياسية قادرة على معالجة معضلات المجتمع والدولة. كل ذلك وغيره يفرض على هذه الحركات أن تكون مشاركاتها في الانتخابات تدريجية وغير مهددة لموازين القوى. يمعنى آخر فإن من مصلحة هذه الحركات أن ترسل رسائل وإشارات تطمئن الجميع في الداخل والخارج، وأن تكون الأحرص على إنجاح أي خطوة نحو تعميق المسار الديمقراطي في المجتمعات العربية.
> يظن بعض الإسلاميين بأن الديمقراطية شكل من أشكال إدارة الحكم، وأن أهميتها تقف عند تنظيم الانتخابات وتوفير آلية للتداول السلمي على الحكم. وهذا أمر يحتاج إلي نقاش ومراجعة. فلا شك في أن النظام الديمقراطي يوفر أسساً لإنهاء حالة التنازع بين الدولة والمجتمع، ويوفر أفضل وسيلة لمنع حالة الانسداد السياسي التي تؤدي إليها الأنظمة الاستبدادية والشمولية. لكن النظام الديمقراطي ليس شكلاً فارغاً، بل له قيمه التي يستمد منها قوته ومشروعيته. لهذا فإن الانخراط في صلبه يجب ألا يقف عند استثمار بعض أدواته دون التفاعل والإيمان بفلسفة تلك الأدوات. فمثلاً لا يمكن تصور ديمقراطية بدون الإيمان بالفرد كقيمة مستقلة. لا يعني ذلك إسقاط قيمة المجموعة، ولكن تحرير الفرد من السلطة غير المنضبطة للمجموعة. ولا يمكن ترسيخ قيمة الفرد، وليس الفردانية، إلابإقرار الحريات الأساسية وحقوق الإنسان. كما لا يمكن الحديث عن ديمقراطية تكون في حالة وجود إجراءات أو مفاهيم وتشريعات تقصي المرأة وتحد من حقوقها المدنية والسياسية.
بمعنى آخر، الانخراط في الديمقراطية يقتضي قدراً من الجرأة والاستعداد للقيام بمراجعات فكرية ضرورية تنقل الإسلامي من دائرة الفكر السياسي التقليدي أو الحركي، إلى دائرة الفكر السياسي المعاصر بكل ما يزخر به من تطورات واجتهادات نوعية كان لهاأحسن الأثر في تحقيق الاستقرار والتنمية في كل البلدان التي تبنت هذا النظام، بما في ذلك الدول الفقيرة مثل الهند، أو البلدان التي خرجت قبل سنوات قليلة من كابوس الاشتراكية على نمط الاتحاد السوفيتي (أوروبا الشرقية مثلاً).
ملاحظات ختامية
لا شك في أن عملية دمج الإسلاميين في المنظومة الديمقراطية لن تكون سهلة، لكنها ليست مستحيلة. كما أن مسألة مطالبتهم بالتكيف مع مقتضيات التحول الديمقراطي يجب أن لا يكون خاصاً بهم لوحدهم، بقدر ما يطالب الجميع بذلك. لأن الجميع لم يتدربوا على الديمقراطية، وقد تشبعوا وتربوا في أحضان أجواء ومناخات غير ديمقراطية، ولا شك في أن دراسة بعض التجارب التي تميزت بمشاركة إسلاميين في بعض مظاهر الحياة الديمقراطية في المنطقة العربية من شأنه أن يسلط أضواء كاشفة على طبيعة هذه المشاركة وحدودها ونقائصها، لكنها في العموم تؤكد بأن عملية الدمج ممكنة، وأن الإسلاميين ليسوا غولا يصعب التحكم فيه أو عدم التعايش معه، وأن أحجامهم ليست بالضخامة التي يتحدث عنها البعض، وأن الممارسة السياسية العلنية والديمقراطية ستفعل فعلها فيهم كما فعلت في غيرهم. فالمراهنة على انخراطهم في المنظومة الديمقراطية لن يكون تدريباً لهم فقط على قيمة التعايش، ولكنها ستكون أيضاً تدريباً للجميع، أنظمة وأحزاباً ومجتمعات مدنية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اسلاميون | السمات:اسلاميون
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























