الحاكم بأمره
كتبهاabdulla sabari ، في 29 مارس 2007 الساعة: 11:46 ص
في طاعة ولي الأمر والخروج عليه
عبد الله علي صبري- نيوزيمن:
.
تداعيات أحداث صعدة لا تتوقف عن حد معين، ومن هذه التداعيات ما هو متعلق بالفقه الديني السلطوي الذي يقدم رموزه حراساً للدين والسلطان في استمراء ممجوج للدور الذي لعبه فقهاء السلطة عبر التاريخ الإسلامي.
ومن المفاهيم التي يروج لها إعلام الحاكم اليوم، وبمباركة فقهاء السلطة، مفهوم طاعة ولي الأمر، والذي بدوره يستدعي المفهوم المقابل: الخروج على الإمام الظالم، وهي القاعدة التي يختص بها المذهب الزيدي عن بقية المذاهب الإسلامية.
تاريخياً فإن طاعة ولي الأمر، اقترنت بطاعة الله ورسوله، وكان خطاب أبي بكر الصديق أول خليفة للمسلمين تأكيداً على هذا الارتباط الوثيق، إذ قال مخاطباً جمهور الأمة: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.
وعلى هذا الأساس كانت خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب، فلما جاء عهد عثمان بن عفان رأى بعض الصحابة في نهجه خروجاً على طاعة الله ورسوله، فكانت الفتنة الكبرى التي شهدت مقتل الخليفة الراشد الثالث.
من هذا المنطلق أيضاً كان خروج الحسين بن علي على يزيد بن معاوية والذي ورث الحكم عن أبيه في مخالفة صريحة للشورى الإسلامية، ولنص اتفاق الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان، حيث تنازل الأول لثاني بالحلافة حقناً لدماء المسلمين، شريطة عودة الأمر شورى بين المسلمين بعد معاوية.
وبخروج الحسين واستشهاده مع ثلة من أصحابه، أضحت مدينة كربلاء رمزاً للمسلمين الشيعة، وكان لأئمة آل البيت محاولات متوالية في الخروج على حكام الدولتين الأموية والعباسية، غير أن النتائج المأساوية التي رافقت كل المحاولات تلك، جعلت فريقاً من الشيعة يميلون إلى "التقية" حفاظاً على سلامة من بقي من ذرية بيت النبوة، وأضحت التقية – فيما بعد- رمزاً للشيعة الإمامية، بينما تمسكت الزيدية بمبدأ الخروج على الإمام الظالم.
وقد تفهم أئمة مذاهب أهل السنة مبدأ الخروج، وبسبب تعاطفهم ومساندتهم لأئمة آل البيت تعرض الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة لصنوف الاضطهاد والتعذيب على يدي حكام الدولة العباسية، وبمرور الزمن تم إقصاء أئمة الشيعة من المسرح السياسي، وظهر تحالف بين فقهاء مذاهب أهل السنة وحكام الدولة الإسلامية على قاعدة أن "أولي الأمر" هم العلماء والأمراء، وأوجب العلماء الطاعة المطلقة للأمراء ما لم يصدر من أحدهم كفراً بواحاً، وفي ظل هذا التحالف انتشرت مذاهب أهل السنة في مقابل إنزواء مذاهب الشيعة!
من جهتها استطاعت الزيدية تجاوز هذا الحصار، ونجحت في إقامة الدولة الهادوية باليمن، ورغبة منها في تقديم نموذجاً مغايراً لما ألفه الناس في ظل حكم الدولتين الأموية والعباسية، حددت النظرية الزيدية شروطاً دقيقة فيمن يتولى أمر المسلمين، وكبحاً لاستبداد الحاكم أبقت النظرية حق الخروج على الحاكم الزيدي إذا انحرف وخالف شروط الحكم، فكان صراع الأئمة في إطار النظرية الزيدية مستعرا حتى قيام ثورة 26سبتمبر 1962.
وبرغم الضرر البين لمبدأ الخروج والذي ارتد إلى أعناق القائلين به، إلا أن فقهاء الزيدية تمسكوا بالمبدأ دونما مراجعة، كان مفترضاً أن تتيحها الزيدية المنفتحة على الاجتهاد والعقل والتي أنتجت بانفتاحها فكراً تنويرياً مشهوراً في الوقت الذي كانت الأمة الإسلامية تغرق فيما عرف بعصر التردي والانحطاط.
في اتجاه مغاير استندت الثورة اليمنية (1948- 1962) إلى مبدأ الخروج على الحاكم الظالم، إذ أفتى علماء الزيدية بوجوب الخروج على الإمام يحيى حميد الدين فكانت ثورة 1948م الثورة الدستورية التي – رغم فشلها- مهدت لقيام الجمهورية العربية اليمنية سابقاً، وإنهاء دولة الأئمة.
الجمهورية والوهج الثوري، فرضا مفاهيم وأفكار جديدة، وتوارت في المقابل الأفكار المرتبطة بالشرعية الدينية للحكم (الطاعة، الخروج) وبقيام الجمهورية اليمنية على قاعدة الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية، أعلن علماء الزيدية تخليهم عن مبدأ الخروج باعتبار أن التغيير يجب أن يكون عبر صندوق الاقتراع، وحظي هذا الحسم برضى الخاصة والعامة، وأصبح الحديث عن شرعية الحاكم وحق معارضته يدور حول الدستور الذي ينظم التداول السلمي للسلطة وفق المبدأ الديمقراطي، وفي إطار أن الحكم للأمة، وما الحاكم إلا أجير لدى الشعب ويمكن عزله وتغييره متى أساء استخدام سلطته، وما عاد مستساغاً الحديث عن طاعة ولي الأمر، إذ السلطات نظرياً ليست بيد الرئيس، فالطاعة هي للدستور ومؤسسات الدولة، وكما أن الدستور يحدد صلاحيات رئيس الدولة، فإنه يحدد قبل ذلك حقوق وواجبات المواطنة التي لا يجوز للرئيس نفسه التعدي عليها.
وبرغم الصلاحيات الواسعة الممنوحة لرئيس الجمهورية في الدستور، إلا أن السلطة مع بداية حرب صعدة أعادتنا إلى الصفر بالحديث عن الشرعية الدينية للحكم، وإذا بفقهاء السلطة يجترون التاريخ بتركيز الحديث عن طاعة ولي الأمر، وحرمة الخروج عليه، متجاهلين أن الشرعية تقوم على التزام الحاكم والمحكومين بالدستور، واحترام مؤسسات الدولة وقوانينها.
ويتجاهل فقهاء السلطة أن إثارة مصطلحات الماضي القريب والبعيد، واستخدام الفتاوى الدينية في قمع معارضي السلطة أو المتمردين عليها، يستدعي في المقابل إبراز الفتاوى القديمة المتعلقة بشروط ولي الأمر، وأحقية الخروج عليه إذا انحرف.
وفوق ذلك، فإن الترويج للشرعية الدينية، إنما يعزز نزعات الخروج على الدستور، حيث غدت شرعية منقوصة وفقاً لفتاوى الفقهاء الذين يرون في ولي الأمر مجمع السلطات كلها.
وأكاد أجزم أن القول بطاعة ولي الأمر- الفرد، هو الوجه الآخر لمقولة الخروج عليه إذا ظلم، وكلا القولين في عصرنا الراهن يستهدفان شرعية الدستور، ويؤديان إلى نتيجة واحدة هي الاستبداد… استبداد في ظل الخنوع (فقه الطاعة) واستبداد في ظل القمع (فقه الخروج).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























