عبد الله علي صبري يرحب بكم

السلحفاة تسبق الأرنب مرة ثانية

كتبهاabdulla sabari ، في 4 فبراير 2007 الساعة: 11:44 ص

كيف ساقت سياسة صندوق النقد الدولي العالم الى الانهيار؟؟

منذ فترة غير قصيرة، والحديث عن العولمة يطغى على ما عداه، مخلفاً وراءه جدلاً لا يكاد يهدأ حتى يثار من جديد وفيما تتباين الآراء حول سلبيات وايجابيات العولمة تؤكد معظم الدراسات ان العولمة ليست خطراً في حد ذاتها، فبإمكان أي مجتمع ان يكون شريكاً فاعلا ومتفاعلاً في إطار العولمة بشقيها الثقافي والاقتصادي، شرط ان يتوافر لذلك المجتمع او تلك الدولة المقومات الضرورية للبناء، والنهوض، والانفتاح.

 

قد تتوافر هذه المقومات في جانبها الثقافي لكثير من دول العالم، لكن تلك المقومات في الجانب الاقتصادي تتعرض لاحتكار الدول الكبرى، وبهذا أصبحت الهيمنة مدلولاً واقعياً للعولمة التي لا ترحم

ليس غريبا اذن ان تتوالى التظاهرات المناهضة للعولمة خصوصا إذا عرفنا أن الفقراء وحدهم من يدفع الثمن، فالغرب - الولايات المتحدة بالذات- قد نظم العولمة وبسطها على نحو يتيح له ان ينال حصة غير متناسبة مع منافعها على حساب العالم النامي.

وتتضاعف أهمية الكلام أعلاه اذا عرفنا ان الموقف المناهض للعولمة بصيغتها الحالية ليس مقصوراً على مفكري ومثقفي الدول النامية، وتتضاعف اهمية هذا الموقف اكثر عندما نجد باحثاً متخصصا بحجم جوزيف ستيغليتز يقرر بشجاعة وموضوعية خطر العولمة على فقراء الدول النامية.

سيتغليتز، اقتصادي امريكي شهير، حائز على جائزة نوبل الاقتصادية، وقضى سبع سنوات في واشنطن حيث عمل رئيساً لمجلس المستشارين الاقتصاديين في ادارة كلينتون، ثم نائباً لرئيس البنك الدولي. وقد سكب عصارة تجربته العملية في كتاب خيبات العولمة (Globalization and Its discontents) الذي اعادت نشرة دار الفارابي (بيروت: 2003) وترجمة الى العربية ميشال كرم.

والكتاب الذي يحتوي تسعة فصول في 295 صفحة من القطع الكبير يقدم شرحاً مستفيضاً لاداء صندوق النقد الدولي، وتأثير سياساته وقراراته على اقتصادات الدول النامية، موضحاً كيف ان هذه السياسات باتت غاية في ذاتها، ولم تعد وسائل في خدمة نمو صحيح ومستديم، مدعماً استنتاجاته بشواهد كان فيها المؤلف شاهد عيان!!

وقبل ان يستعرض الكتاب مساوىء وسلبيات العولمة، يذهب المؤلف الى ان العولمة بحد ذاتها ليست جيدة ولا مسيئة، فهي تستطيع الاتيان بخير كبير، فالبلدان الاسيوية التي اعتنقتها حسب شروطها هي، وحسب وتيرتها هي جنت منها خيراً عميماً.

ولانه يتحدث في الجانب الاقتصادي يعرف ستيغليتز العولمة بانها: ذاك الاندماج الاوثق بين بلدان وشعوب العالم الذي تحقق من جهة، بسبب الانخفاض الكبير في كلفة النقل والاتصالات، ومن جهة اخرى بسبب ازالة الحواجز المصطنعة من امام تنقل الاموال، والخدمات، والرساميل، والمعارف، والاشخاص (بقدر ادنى) عبر الحدود.

وسنرى ان هذا التعريف يقود الى فهم اخطاء وخطايا العولمة، كما سيتضح لاحقاً.

ثمن باهط 

للعولمة حسنات لايجوز تجاهلها غير انها لاتحسن وضع اولئك الذين هم في حاجة الى المنافع التي تعد بها، ومع ان جهودا تبدو وليدة نوايا حسنة في حقل تحرير التجارة، كما في سائر حقوق العولمة، قدأدت احيانا كثيرة الى نتائج سياسية، فانه متى انتهت الى الفشل مشاريع زراعية، او مشاريع بنى تحتية اوصى بها الغرب، ورسمت بناءً على نصائح خبراء غربيين، ومولها البنك الدولي أو مؤسسات اخرى، فان على فقراء العالم النامي ان يسددوا القروض، ماعدا حالات الغاء الديون.

واذا كانت مغانم العولمة، في كثير من الحالات، دون مايزعم انصارها، فان الثمن الواجب دفعه كان ابهظ بكثير: البيئة اتلفت، والفساد انتشر في الحياة السياسية وسرعة التغيير لم تدع  للبلدان وقتاً كافيا للتكيف ثقافياً.

ما الذي يريده ستيغليتز من كلامه هذا؟

هو لا ينقد العولمة من اجل مناهضتها، لكنه يتصور انه بالامكان تعديل وجهة العولمة، واذا قمنا بذلك، اذا اردنا العولمة بشكل عادل ومتكيف، باعطاء كل بلد حق ابداء الرأي في التدابير التي تطاله، فانها قد تساعد في خلق اقتصاد عالمي جديد يكون فيه النمو مستداماً وتكون ثماره موزعة بمزيد من العدالة.

وتأكيداً على امكانية تعديل وجهة العولمة، لاينكر المؤلف تلك الايجابيات التي تحققت بسبب العولمة، فقد خففت الشعور بالعزلة الذي كان سائداً في كثير من البلدان، واتاحت الفرصة لكثير من سكانها للحصول على قدر من المعرفة ارقى بكثير من الذي كان يتمتع به اغنى فرد في اي بلد قبل قرن من الزمان.

المعونة الدولية التي هي احد وجوه العولمة، قد افادت هي ايضاً، بالرغم من كل عيوبها- ملايين الاشخاص، تحت اشغال لم تلفت الانتباه في كثير من الاحيان.

حتى التظاهرات المناهضة للعولمة هي بذاتها نتيجة لهذا (التواصل) الذي انتجته  العولمة!، وعليه فـ«ان الذين يهاجمون العولمة، يتجاهلون حسناتها في احيان كثيرة، لكن الذين يتغنون بمحاسنها هم أقل عدلاً أيضاَ».

كينز وتوافق واشنطن 

صندوق النقد الدولي (ص ن د) ثالث اهم موسسات اقتصادية دولية (البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية) تعد قراراتها وسياساتها المتحكم الفعلي في مسار العولمة.

من هنا تأتي اهمية التركيز على اداء هذه الموسسات، وكيف تتخذ قراراتها، وتتضاعف الاهمية- كما اسلفنا- عندما يصدر تقييم كهذا عن شخصية اقتصادية عالمية اسهمت في اتخاذ القرارات داخل هذه المؤسسات.

يصدمك ستيغليتز عندما يؤكد ان اتخاذ القرار داخل ص ن د يستند الى خليط غريب من الايديولوجيا، والاقتصاد السيء، الى عقيدة جامدة تكاد لا تستر المصالح الخاصة التي وراءها، وان وصفة واحدة كانت تفرض ان تعمل البلدان بموجبها، ولم يكن المطلوب آراء مختلفة، كان النقاش الصريح والمفتوح لايحظى بالتشجيع.

«إن اتقان العمل السري كان كبيراً الى حد كان الصندوق معه يخفي قسماً كبيرآً من المفاوضات وبعض الاتفاقات عن اقتصاديين البنك الدولي، حتى في اثناء القيام بمهام مشتركة، ورغم الكثير من الكلام عن الانفتاح والشفافية، مازال ص ن د لايعترف رسميا بـ«الحق في المعرفة» هذه الحرية الاساسية للمواطن!!».

بالاضافة الى «السرية» في اتخاذ القرار، يضع الصندوق امام البلد المستهدف اهدافاً محددة بدقة تسم «شروطاً»، فكل عقد قرض ينص على شروط اساسية، ويوضح على الاقل ان القرض قد منح بشرط ان يسدد عموما وفق روزنامة معينة. كما يفاجئك المؤلف عندما يكشف ان هذه الروزنامة التي يعتمدها الصندوق اضحت اليوم مجافية للافكار التي كانت وراء انشاء ص ن د، والتي وضعها الاقتصادي الامريكي (كينز) الذي كان يشدد على نواقص السوق، وعلى دور الدولة في خلق فرص عمل. بينما اصبحت روزنامة الصندوق اليوم تعتمد على التحرير، والتخصيص، وتتغنى بحرية السوق. ولكن متى ولماذا تبدلت افكار الصندوق».

يذهب ستيغليتز الى ان «توافق واشنطن» في الثمانينات كان خلف هذا التحول، وهوتوافق بين ص ن د، والبنك الدولي، ووزارة الخزانة الامريكية يهتم بالسياسات «الصالحة» التي يجب ان تعتمدها البلدان النامية.

وقد شكل هذا التوافق  انعطافاً جذريا في مفهوم التنمية والاستقرار، وكانت النتيجة الواضحة لسياسات، توافق واشنطن تأمين منافع لاقلية صغيرة على حساب الغالبية الكبرى، للاغنياء على حساب الفقراء، وفي حالات كثيرة تغلبت قيم ومصالح تجارية على الحرص على البيئة، والديمقراطية، وحقوق الانسان، والعدالة الاجتماعية.

النظام الحالي الذي يهيمن عليه ص ن د، هو في نظر فلاحي البلدان النامية الذين يكدون ويشقون في سبيل تسديد  ديون بلدانهم لـ ص، ن، د وفي نظر اصحاب المشاريع الذين يعانون من ارتفاع نسبة الضريبة على القيمة المضافة الذي فرضه الصندوق. انما هو نظام «فرض رسوم دون تخطيط».

ص ن د من جهته يزعم انه لايفرض اتفاقية قرض ابدا> وانما يتفاوض على مضمونها دائما ً مع البلدان المقترضة، غير ان المؤلف ينبه الى ان هذه مفاوضات وحيدة الجانب، فالصندوق يملك كل الاوراق، لسبب جوهري، هو ان كثيرا من البلدان النامية التي تطلب مساعدته هي بحاجة ماسة الى المال. يضيف المؤلف أن عدم توازن القوى بين ص ن د و«البلدان الزبائن» يولد لامحالة توترا بين الطرفين، لكن تصرف الصندوق في اثناء المفاوضات يزيد الطين بلة في هذه العلاقة، فالصندوق إذ يفرض بنود الاتفاقيات، انما هو في الواقع يخنق كل نقاش داخل الحكومة الزبونة وبالتالي كل نقاش في البلاد- حول حلول اخرى ممكنه

وعود بلا وفاء 

عندما كان يؤخذ على ص ن د قصر نظره فيما يتعلق بالفقر، كان يصيح: التضخم قاس بنوع خاص على الفقراء.. غير ان سياسته ماكانت مرسومة لكي يكون لها ادنى قدر من التأثير على الفقراء.

ولئن ستيلغيتز لايلقي الكلام على عواهنه، فانه يرصد تجارب بعض الدول التي تعاملت بشكل مباشر مع الصندوق والبنك الدولي، ومن هذه الدول روسيا واثيوبيا، فعندما اندلعت ازمة 1998م، كان ص ن د قد ضغط على روسيا ان تتخذ تدابير ضاعفت من الازمة عند نشوبها حيث اجبر روسيا على الاقتراض اكثر بالعملات الاجنبية واقل بالروبل، وكان الصندوق قد اتبع من قبل تدابير لدعم العملة الروسية خوفاً من التضخم، وكان الحاحه على روسيا كي تحافظ على قيمة عملتها العالي بصورة مصطنعة، ثم دعمه لهذا الموقف بواسطة مليارات الدولارات، قد أديا الى سحق الاقتصاد (عندما خفضت قيمة الروبل سنة 1998م لم يحدث تضخم كما كان يخشي الصندوق، وشهد الاقتصاد اول وثبه هامة للنمو). سياسة التخصيص التي فرضها الصندوق على روسيا، هي الاخرى لم تسهم في نجاح البلاد اقتصاديا، بل على العكس، فقد نسفت تلك السياسة صدقية الحكومة، والديمقراطية، والاصلاح، اذ باعت روسيا ثرواتها بابخس الاثمان قبل ان تنشىء نظاماً لجباية الضرائب على هذه الثروات، وكانت النتيجة ان حفنة من اصدقاء وشركاء يلتسن (الرئيس الروسي السابق) باتوا يملكون المليارات فيما كانت البلاد عاجزة عن ان تدفع لمتقاعديها معاشهم البالغ 15 دولارًا بالشهر!!

يعزو المؤلف فشل سياسات ص ن د وخطط البنك الدولي الى عدة اسباب منها انها تفرض من جانب واشنطن كقاعدة عامة، ثم تصاغ في رحلات قصيرة يقوم بها مسؤولون كبار: ينغمس هولاء منذ نزولهم من الطائرة في ارقام وزارة المال والمصرف المركزي، وفيما تبقى يقيمون بارتياح في فنادق الخمسة نجوم في العاصمة، الفرق ليس رمزياً فقط، لايمكن ان يتعلم المرء كيف يتعرف الى بلد، وكيف يحبه دون ان يتجول في اريافه.

اثيوبيا نموذج آخر عايش المؤلف، واسهم في انقاذه من قرارات كادت من حال تنفيذها- ان تصل بالاقتصاد الاثيوبي حافة الانهيار، فقد نشب خلاف بين اثيوبيا والصندوق، عندما استعانت الاولى باحتياطاتها فسددت قبل الاستحقاق قرضاً حصلت عليه من احد المصارف الامريكية، وكانت تدفع معدل فائدة اعلى بكثير من ذاك الذي كانت تناله لقاء احتياطاتها، ومع ان هذا القرار كان رشيداً تماماً من الناحية الاقتصادية حد ستيغليتز، فان الولايات المتحدة وص ن د احتجا على الدفع قبل الاستحقاق لا لشيء سوى أن اثيوبيا اقدمت على هذه الخطوة دون مصادقة الصندوق!! هنا يسأل المؤلف: ترى، لماذا يتوجب على دولة ذات سيادة ان تطلب اذن ص ن د عند اتخاذها كل قرار؟! ويضيف:

ان ارادة التدخل هذه كانت بالنسبة الى اثيوبيا اشبه بشكل جديد من اشكال الاستعمار، اما في نظر الصندوق فكانت معاملة ادارية عادية. ماذا كانت النتيجة؟

يجيب ستيغليتز: عندما رأى ص ن د ان اثيوبيا تتحفظ في استحابة طلباته لمح الى ان حكومتها ليست جادة في سلوك طريق الاصلاح، واوقف عملياته.. لحسن الطالع تمكن اقتصاديون اخرون من البنك الدولي وانا شخصيا من اقناع ادارة الصندوق بان زيادة القروض لاثيوبيا قد تكون قراراً صائباً.

الازمة الآسيوية

حققت بلدان شرق اسيا معجزة اقتصادية جعلت العالم النامي يتطلع اليها باعجاب، وعندما شرع البنك الدولي في دراسة النمو الاقتصادي لتلك الدول خلص الى ان تلك البلدان قد حققت نجاحآً مع انها لم تطبق معظم اوامر واشنطن، وان نجاحها جاء في الاصل لانها لم تطبق تلك الاوامر!! لذا استحقت الظاهرة تسمية (المعجزة الاسيوية).

هذه المعجزة تعرضت للاهتزاز عند نشوب الازمة الشهيرة (1997)، واتضح فيما بعد ان سياسة ص ن د قد زادت الوضع تفاقماً  مما جعله هو بالذات في قفص الاتهام.. كان الاستعجال في تحرير الاسواق المالية سبباً رئيسا للازمة، وقد اعترف الصندوق وتفهم الي اي حد يمكن ان يكون التحرير المتسرع خطرآً، لكن هذا الانعطاف يأتي بعد فوات الاوان بالنسبة الي الضحايا.

النص التالي يوضح بجلاء، الى اي حد اسهم ص ن د في تفاقم الازمة الاسيوية، وكيف ان سطوة الصندوق اربكت حكومات الدول الاسيوية في التعامل مع الازمة، باستثناء ماليزيا.

(… قبل اندلاع الازمة كان وزراء المال في البلدان الاسيوية يرون جيداً ان تدفق الرساميل المضاربة الذي يرافق تحرير الاسواق المالية كان مصادر مشاكلهم، وكانوا يخشون ان يطالبهم الصندوق اذا ماانفجرت الازمة باتخاذ تدابير تزيد من تفاقم وقعها على اقتصاداتهم. الا انهم كانوا يجدون انفسهم عاجزين، وغير قادرين على الصمود، كانوا يعرفون مايستطيعون ومايجب عليهم ان يفعلوا لدرء خطر الازمة والحد من الاضرار، لكنهم كانوا يعرفون ايضا ان ص ن د سيدينهم اذا قاموا بتلك المبادرات، وكانوا يخشون انسحاب الرساميل الدولية الذي قد ينجم عن تلك الادانة، وفي ا خر الامر تجرأت ماليزيا وحدها على تحمل غضب الصندوق.

واذا كانت تدابير رئيس الوزراء ماهاتير التي كان هدفها الابقاء على المستوي المتدني لمعدلات الفائدة، ولجم الهروب المتسرع للرساميل المضاربة- قد تعرضت لهجمات من كل صوب، فان الانكماش الاقتصادي كان اقصر أمداً وادنى قوة في ماليزيا منه في اي بلد اخر.

الفشل الذريع الذي مني به ص ن د في التجارب الآنفة يفرض تساؤلاً عن الدول التي نأت بنفسها عن سياسات الصندوق، وكيف كان مآلها؟

اضافة الى ماليزيا يستعرض المؤلف التجربة الصينية مقارنة بالفشل الروسي موكداً انه بينما كانت الصين تتقدم بمعدل وسطي سنوي يفوق الـ%10 في التسعينات، كانت روسيا قد تقهقرت الى معدل وسطي سنوي يساوي %5.6(…) وبما ان الانتقال الصيني ادى الى اكبر تراجع للفقر في التاريخ، فلعل التحول الروسي قد ادى الى اكبر ازدياد تاريخي للفقر في فترة قصيرة، بعيداً عن الحروب والمجاعات.

وبما ان الصين كانت تبحث عن الاستقرار والنمو في آن واحد فانها - حسب ستيغليتز- اقامت المنافسة، وانشأت مؤسسات جديدة، وخلقت فرص عمل قبل ان تخصص، وقبل ان تصحح بنية المؤسسات القائمة. وهي قد ادركت اهمية الاستقرار الكلي، ولم تخلط قط بين الوسائل والغايات. ولم تتطرف في مكافحة التضخم. وهي رأت انها اذا شاءت  الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، فعليها ان تتحاشى البطالة الكثيفة.

العلاج بالصدمة

الموضوعية جعلت المؤلف يتطرق ايضاً الى الايجابيات المنبثقة عن سياسة ص ن د. ومنها:-

* كان لأموال الصندوق أثر نافع في بعض الاحيان عندما كانت تدفع الى حكومات تتبع سياسات صالحة. يعزو المؤلف ذلك الى سياسة العلاج بالصدمة فخوفاً من عودة الشيوعية كان النزاع الاشد حدة يدور حول سرعة الاصلاح، وكان بعض الخبراء يردون ان التسرع في الامر قد يجعل من الاصلاحات، فشلا اقتصاديا يزيده الفساد السياسي تفاقماً… وقد اطلق على المدرسة الأولى اسم «العلاج بالصدمة» وعلى الثانية اسم «التدرجية» وفازت افكار العلاج بالصدمة في معظم البلدان، ولكن بعد مرور عشر سنوات اعترف اخيراً بصوابية المقاربة التدريجية: السلاحف سبقت الارانب!!

* في بعض البلدان اعادت الاشتراطية توجيه النقاش العام على نحو امكن معه اتخاذ قرارات افضل.

* ان تصلب الروزنامات المفروضة من جانب الصندوق كان وليد تجارب عديدة، اذ كانت الدول تعد ببعض الاصلاحات ثم تحجم عن تحقيقها بعد ان تحصل على المال،

* اسهمت سياسات الصندوق في تسريع وتائر التغيير في بعض البلدان. مع ذلك، لماذا فشلت روسيا حيث نجحت الصين؟!

نجاح الصين، واخفاق روسيا ليس من فعل المصادفة «وانما هناك علاقة واضحة بين السياسات المتعبة وبين النتائج (..) وكانت النتائج في الصين علي العكس تماماً مما كان ان يتوقعه  ص ن د ، ومنسجمة تمامآً مع ماكان قداعلنه« التدريجيون ولكنه الافضل».

يبرر انصار العلاج بالصدمة اخفاقهم بان التدابير التي اوصوا بها لم تطبق بصورة كاملة فقط، لكن المولف لايقتنع بهذا العذر، ففي حقل الاقتصاد  لاتطبق اية وصفة بحذافيرها، فيجب ان تنسجم التدابير والتوصيات مع هذا الواقع.. لذا يقرر ستيغليتز ان السياسات التدرجية تحمل الاما اقل على المدى القصير، ومزيداً من الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ومزيداً من النمو على المدى الطويل. (لقد فازت السلحفاة مرة اخرى في السباق مع الارنب، اما انصار الاصلاح السريع، فقد خسروا).

هل تقود هذه النتآئج الى صوابيه رؤى من يناهضون العولمة ويطالبون بالعدول عنها< انها تدعم اقوالهم بشأن العولمة، غير ان العدول عنها ليس حلاً فقد جاءت العولمة كمايذهب المؤلف، لمنافع عظيمة فعليها بنت اسيا الشرقية نجاحها، و هي التي سمحت باحراز تقدم كبير في حقل الصحة، و هي التي تخلق مجتمعاً دولياً ذا حيوية، ويناضل من أجل مزيد من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. المشكلة ليست العولمة لكن المشكلة هي في كيفية ادارتها وبصورة خاصة من جانب الموسسات الاقتصادية الدولية أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، التي تسهم في تحديد قواعد اللعبة.

نحو عولمة ذات وجه انساني

من اجل اصلاح النظام المالي العالمي يقترح ستيغليتز حصر ميدان الصندوق، في نطاقه المركزي، اي معالجة الازمات. فلا يعود ينشغل (خارج الازمات) لا بالتنمية ولا بالاقتصادات السالكة سبيل التحول.

وبشيء من التفصيل يستعرض المؤلف الاصلاحات التي ينبغي عملها في ست نقاط:-

1- الاعتراف باخطار تحرير اسواق الرساميل، والتسليم بان دفق الرساميل القصيرة الاجل (مال مضاربة) يفرض تكاليف باهظة يتحملها آخرون غير طرفي هذه الصفقات.

2- اصلاح نظام الافلاسات واللجؤ الى التجميد.

3- التقليل من الاعتماد على عمليات التعويم.

4- تحسين الانظمة المصرفية.

5- تحسين مظلات الامان. وبالذات المحلية.

6- تحسين ردود الفعل على الازمات.

كما يقترح المؤلف اصلاحات اخرى تتعلق بعمل البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، ومن شأن هذه الاصلاحات ان تسهم في جعل العولمة اكثر عدلا واشد فاعلية لرفع مستوى الحياة، وخصوصاً مستوى حياة الفقراء.

غير ان استراتيجية الاصلاح المقترحة هنا لاتعفي البلدان النامية من مسؤولياتها في هذا الصدد، اذ ينبغي عليها ان تتعهد هي بنفسها مسألة رفاهها ويمكن ان تتدبر شؤون موازنتها بحيث تعيش على قدر امكاناتها، مهما كانت هذه ضعيفة، وان تزيل حواجز الحماية، هذه التي تعود بربح وفير على بعض الناس ولكنها تفرض اسعار مرتفعة  جداً على المستهلكين. وفي وسعها ان تضع انظمة صارمة لتحمي نفسها من المضاربين الخارجين او من انحراف اوساط الاعمال عندها بالذات. وهي بحاجة خصوصاً الى دولة فعالة، ذات سلطة قضائية قوية ومستقلة، والى دولة ديمقراطية، منفتحة، شفافة، متحررة من الفساد الذي قضى على الفاعلية في القطاع العام وفي القطاع الخاص معاً.

وما على هذه البلدان حد المؤلف- سوى أن تطلب من الأسرة الدولية، ان تعترف بحاجتها وبحقها في تعيين خياراتها، وفقاً لقناعاتها السياسية، ان تقرر مثلاً من الذي يتحمل المخاطر ويجب تشجيعها على سن قوانين تتعلق بالافلاس، وعلى ايجاد اجهزة للضبط متكيفه مع وضعها هي، لا مع النماذج الموضوعة مسبقاً من قبل ولاجل البلدان المتطورة.

ويجب انتهاج سياسات تنمية مستديمة وعادلة وديمقراطية. فهذه هي علة وجود التنمية، فالتنمية ليست مساعدة حفنة من ا لاشخاص على الاثراء، ولا خلق حفنة من الصناعات المتمتعة بحماية عبثية لا تفيد سوى النخب في البلاد، والتنمية ليست جلب سلفع برادا وبينيتون» الى الاغنياء في المدن وترك فقراء الارياف غارقين في البؤس.

ويعترف ستيغليتز ان تغيير الاساليب ليس بالامر اليسير، فالبيروقراطيات كالافراد، تكتسب عادات سيئة وتتزلم عندما يتوجب تغييرها، لكنه يقرر في ختام الكتاب ان للعالم المتطور موقعه الذي يجب ان يملأه في اصلاح المؤسسات الدولية التي تحكم العولمة، فنحن الذين خلقناها، ونحن الذين يجب ان نعمل على اصلاحها. واذا اردنا ان نرد على التخوفات المشروعة للمستائين من العولمة، وان نضع هذه في خدمة مليارات ا لناس الذين اخفقت في نظرهم، وان نجعل لها وجهاً انسانياً، فلنرفع الصوت، وليكن عالياً.. ليس في وسعنا ولايجوز لنا ان نبقى صامتين!!

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اقتصاد | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

دعوة للحوار