في ذ كرى جار الله عمر
كتبهاabdulla sabari ، في 27 يناير 2007 الساعة: 07:29 ص

حلت الذكرى الرابعة لاغتيال الشهيد جارالله عمر، والعراق يشهد تداعيات دامية، تؤكد من جديد أن الجسم العربي المثخن بالجراح ما يزال عقله مشدوداً إلى التراث وتاريخ السلف في ماضوية تجتر معها الصراعات والعداوات التي ترتدي عباءة الدين، وترتد بالعرب إلى الحالة العشائرية المفتقدة لآليات إدارة الاختلافات فيما بينها.
ما العلاقة إذاً بين اغتيال جارالله عمر ومستقبل العراق؟!
يدرك المتابع للمشهد العراقي أن الاختلاف السياسي هناك الذي يأخذ طابعاً مذهبياً عنفياً، وبات يلقي بظلاله على مستقبل المنطقة، يعكس في أحد جوانبه ثقافة لا تسامحية تغذيها افكار متطرفة تعبر عن نفسها على النحو الذي نسمعه ونشاهده على مدار الساعات الاخبارية، كذلك فإن عملية اغتيال جارالله عمر تعكس في أحد جوانبها ثقافة عدوانية لا تسامحية تستند إلى فكر متطرف يدعي وصلاً بالإسلام وهو منه براء!
ومع بداية العملية السياسية في ظل الاحتلال الأمريكي، كان السؤال:
هل يتجه العراق نحو الإسلاموية أم العلمانية؟
وها قد ألقت الإسلاموية بظلالها على المشهد السياسي العراقي في هذه المرحلة، فأفرزت تعصباً طائفياً دموياً مقيتاً، أسوأ مما شهدته الجزائر، ولما تتعافا منه بعد. ومشكلة المستنقع العراقي، أنه قابل للتصدير إلى جواره العربي المنقسم مذهبياً وطائفياً وعشائرياً، فالاختلاف السياسي في لبنان على سبيل المثال يخشى عليه من اندلاع شرارة الفتنة المذهبية!، وما الاقتتال الدموي الفلسطيني – الفلسطيني إلا الوجه الآخر للثقافة العنفية المتفشية في منطقتنا العربية.
ولما كان التطرف الديني مرتبطاً بالتطرف السياسي، فإن التوظيف السياسي للدين قد انتج جماعات إرهابية تتعسف النصوص الدينية، وتتخذها ذريعة للقتل وسفك الدماء، ونشر الرعب وإرهاب الناس، حدث ذلك في القرن الأول الهجري، ويحدث اليوم في العصر الذي يفترض أن البشرية في طريقها إلى الرشد.
وليس التطرف سمة يختص بها دين أو فرقة بذاتها، فحيثما وجدت البيئة المناسبة ترعرع التطرف واشتد عوده. وفي منطقتنا فإن الاستبداد بمثابة التربة التي تحتضن التطرف وتمده بأسباب الحياة والنمو.
وقد فقهت كثير من الأنظمة العربية الحاكمة هذه الحقيقة، فاستقطبت الجماعات الإسلامية المتطرفة، واحتضنت عدد من قياداتها، فاتجه خطابها المتشنج إلى المجتمع تستهدفه دون الحكام وإلى المعارضة دون السلطة، وإلى مصطلحات بعينها، كالعلمانية والديمقراطية والاشتراكية وحقوق المرأة. ووصل الأمر أيضاً إلى تعاون غير مباشر بين هذه الجماعات وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي استغلت بعضاً من هذه الجماعات ووظفتها وخطابها في محاربة الشيوعية والاتحاد السوفيتي سابقاً.
غير أن سياسة الاحتواء التي انتهجتها الأنظمة لم تفلح في كثير من الحالات، الأمر الذي أفضى إلى توترات واحتقانات انتجت عمليات إرهابية طالت الكثير من الدول العربية، وأفضت المعالجات السلطوية الأمنية لمثل هذه المشكلات والتوترات إلى تعقيد الظاهرة وتعقيد الحلول المقترحة لها.
في هذا السياق ظهر تمايز ملحوظ بين الحركات الإسلامية، إذ اتجهت غالبيتها إلى الانخراط في العملية السياسية، والتفاعل مع الفرص التي أتاحتها التوجهات الديمقراطية في عدد من الأقطار العربية. والمشكلة التي تواجه هذه الحركات المعتدلة، أنها لا تتمايز كثيراً عن الحركات المتطرفة فيما يتعلق بالمرجعية الفقهية التي تعتمدها، ما يفرض باستمرار تساؤلات عن مدى صدقية هذه الجماعات في الالتزام بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير وموجبات التعددية السياسية وحقوق الإنسان.
إضافة، فإن الأنظمة العربية تعمد باستمرار إلى تقديم الإسلاميين – بمختلف تنويعاتهم – كفزاعة ضد الغرب الذي تجتاحه منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ما يعرف بـ"فوبيا الإسلام".
وإذ لا توجد وصفة سحرية لمعالجة وباء التطرف، فالمرجح أن اتساع المناخ الليبرالي – العلماني كفيل بتهذيب الظاهرة، والتخفيف من حدتها، فالعلمانية لا تستهدف الدين، بقدرما تستهدف الكهنوت الديني والمؤسسة الدينية، ومع إن الإسلام لا يعترف برجال الدين إلا أن واقع المسلمين يشهد دوراً متعاظماً للمؤسسة الدينية، وهي في بلادنا العربية مرتبطة في الأساس بالمؤسسة السياسية الاستبدادية، ما يجعل للحديث عن فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية مبرر موضوعي.
في ظل العلمانية تتسع مساحة التسامح والتعددية بين الآراء والأفكار، وتضيق دائرة المقدس، ويفتح المجال واسعاً أمام العقلانية، فالعقل هو الماكنة التي كرمها الله تعالى وعطلها المسلمون مئات السنين. ومن يتتبع برامج الفتاوى الدينية والأسئلة السطحية التي تجيب عنها، يدرك إلى أي مدى اصبح المسلم اليوم مغيباً عقله، متكلاً على رجل الدين في فهم الإسلام وكثير من قضايا الحياة!
وفي ظل مناخ ليبرالي – علماني، سيكون بالامكان أيضاً مناقشة القضايا الدينية دونما تكفير أو تجهيل، ودونما إدعاء بامتلاك هذا الطرف أو ذاك للحقيقة المطلقة. وما أحوجنا اليوم إلى حوار إسلامي – إسلامي يناقش بعقل مفتوح الموقف الديني من القضايا المعاصرة، مثل الاختلافات المذهبية السائدة، والقطيعة القائمة بين المثقفين والعلماء، وقضايا الدمقرطة والإصلاح السياسي والاقتصادي، وما إلى ذلك.
إن المسؤولية جسيمة، وهي مسؤولية الجميع دون استثناء، فالتطرف الذي اشتعل في المنطقة، وما يقابله من تطرف مضاد، لن يوفر دولة دون غيرها، ولن يقتصر خطره على هذه الفئة أو تلك، وهو إن دهم شعباً ما لن يمنح العقلاء منهم فرصة أخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الحرية الدينية | السمات:الحرية الدينية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























