عبد الله علي صبري يرحب بكم

تسييس الفـتوى..

كتبهاabdulla sabari ، في 23 أغسطس 2008 الساعة: 13:15 م

 هل تغـدو المؤسسة الدينية سلطـة خامسة؟

عبد الله علي صبري، نيوزيمن: 

 

 

من يتتبع برامج الفتاوى إعلاميا يصاب بحسرة شديدة بسبب سذاجة الأسئلة المطروحة وسطحية الردود عليها ، ويتجذر ألم المرء عندما يتمعن في الثقافة الدينية لعموم المسلمين اليوم التي وصلت إلى درجة من الضحالة أنتجت مئات التساؤلات التي نسمعها ونقراها يوميا، فنتأكد أن الداء يكمن في عقلية الأمة ومستوى تفكيرها، وإلا لما كان لتلك التساؤلات وهذه الفتاوى حاجة عملية في حياتنا.
بيد أن هذا الكلام لا يعني بالضرورة موقفا من الحاجة إلى الفتوى ، خصوصا إذا اتخذت صورة الاجتهاد في مواجهة المستجدات المعاصرة، وما أكثرها .. إنما هناك فرق بين التكلف في التساؤلات الدينية ، وهو ما حذر منه القران الكريم وسنة الرسول العظيم وبين الأسئلة الجادة التي تثري المعرفة الدينية ، وتقدم إجاباتها حلولاً فعلية لمشكلات واقعية ، قد تعترض تدين المرء المسلم ، ويمتد تأثيرها إلى حال المجتمع ككل.
ولا شك أن الاجتهادات المتعددة إبان ازدهار الحضارة الإسلامية ، قد أنتجت الفرق والمذاهب الإسلامية المعروفة كحالة صحية ، قبل أن يغرق المسلمون في مستنقع الفرقة والتعصب . وتضمحل العلوم الدينية ، فتصبح مجرد متون وحواشي ، تعيد تكرار ما أبدعه السلف.
الأسوأ من ذلك أن علماء الدين على مدى التاريخ الإسلامي ، قد استمرأ غالبيتهم الانضواء تحت إبط الحكام والسلاطين . وبدل أن يضطلعوا بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقول كلمة الحق ، تمادى الغالبية منهم في الخنوع والنفاق واللهث وراء الأموال والمناصب السياسية والتنكيل بالخصوم ، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل ضحية هؤلاء فيما عرف بمحنة ( خلق القرآن ) وما ارتبط بها من تساؤل تعسفي أفضي إلى فتوى دينية ممهورة بختم الخليفة ، وأصبح الولاء والطاعة لولي الأمر منوط بالموافقة على تلك الفتوى!
لقد تعاظم دور الفقهاء في حياة المسلمين تاريخيا ، لينتج التحالف بينهم والحكام ما يمكن تسميته بالمؤسسة الدينية ، وعلى رأسها (قاضي القضاة ) وهو المنصب الذي رفضه أئمة المذاهب السنية ليقبل به أتباعهم فيما بعد ، وبينما اتسم القضاة الأوائل بالاستقلالية في الرأي والموقف ، تساهل من بعدهم في موجبات الأمانة والمسؤولية وانساقوا في خط الحكام وسياساتهم مضفين عليها البعد الديني ، فيما الدين الحق منها براء.
واليوم فإن سمات المؤسسة الدينية قد تكون واضحة بشكل جلي في ( الأزهر ) بالنسبة لمصر ، وهي أكثر وضوحا في الحالتين : السعودية والإيرانية ، لكنها في اليمن لا تتخذ شكلا ثابتا ,وإن كانت تؤدي أدواراً مماثلة.

تقنين الشريعة
إذا تجاوزنا التجربة اليمنية إبان التشطير ، فإن ملامح الدور السياسي للعلماء ، تجلت مع الخطوات الأولى لبناء دولة الوحدة ، وتحديدا مع عملية الاستفتاء على دستور الجمهورية اليمنية، حيث افتعل ثلة من الفقهاء مسألة الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للتشريع والتقنين ، واستقبلت الساحة اليمنية شعارات التكفير والكراهية باسم الدين ، وكان لافتا ذلك الاستغلال السيئ لقوله تعالى : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون .
إضافة لذلك ، ابتدع اليمنيون _ تحت تأثير الحركة الإسلامية – ما يعرف بلجنة تقنين الشريعة الإسلامية التابعة لمجلس النواب .. ومن المهم تقييم دور هذه اللجنة سلبا وإيجابا، ولكن في وقفة أخرى.
المهم هنا الإشارة إلى بعض الملاحظات والمآخذ على هذه اللجنة ، حيث يشكو بعض ( النواب) أن اللجنة غدت في بعض الحالات سيفا مصلتا عليهم، خاصة عندما يتداول نواب الشعب الرأي بشأن المواد القانونية ذات الصلة بالأحكام الشرعية ، فتعترض اللجنة باعتبار أن ذلك من اختصاصها، ما يجعل رأي اللجنة فتوى دينية ملزمة ، لا يقبل للنواب رأي بشأنها، مع أن هذه الرؤية قد تأخذ لوناً مذهبياً معيناً، وتدير ظهرها للاجتهادات والرؤى الأخرى.
وتعزز تأثير الفقهاء في البرلمان بعد حرب1994، وما تلاها من تعديلات دستورية أفضت إلى تثبيت مطالب التجمع اليمني للإصلاح بشأن المادة الثالثة من الدستور ، والتي اعتبرت _ بعد التعديل _ أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع في الجمهورية اليمنية .
ولأن التسلط هو الثابت الوحيد في حياتنا السياسية ، فقد ضاق النظام الحاكم بالشراكة مع حزب الإصلاح كإطار سياسي /ديني ، فواصل كعادته لعبة المناورات والتوازنات السياسية والمذهبية .. هنا بدأت السلطة التقارب مع علماء المذهب الزيدي كمنافس وبديل محتمل لحزب الإصلاح ، فجاء نشاط الشباب المؤمن بصعده في هذا السياق .
ولم تكتف الآلة السياسية بذلك ، بل عمدت إلى تقريب علماء وخطباء المذاهب والفرق الأخرى وبالذات تياري السلفية والصوفية . وما يؤسف له أن غالبية فقهاء المذاهب وهم يتبارون في التناحر والفرقة فيما بينهم ، لا يألون جهدا باتجاه التقارب والتوافق مع السلطة . بل لقد وصلت مهزلة العبث( بالكروت)إلى مرحلة التحالف بين السلطة والتيار السلفي المتشدد على أسس تناهض شرعية النظام ذاته ، فقد كان لافتا ومحيرا أن فقهاء السلطة الذين دعموا رئيس الجمهورية في الانتخابات الرئاسية 2006، وكانوا -وما زالوا -يفتون بعدم جواز منافسة ولي الأمر ، بناء على مواقفهم ورؤاهم المناهضة للديمقراطية والتعددية الحزبية، والانتخابات بكافة صورها .. الأمر الذي يرتد إلى الطعن في شرعية النظام الحاكم بكل مؤسساته.

سلطـة خامسـة
من المعروف أن للدولة الحديثة ثلاث سلطات رئيسية ( القضائية ، التنفيذية ، التشريعية ) يحكمها مبدأ الفصل وعدم التداخل في مهامها واختصاصاتها، وبحيث لا تطغى سلطة على أخرى .
وحيث مازلنا نصبو إلى ترسيخ وبناء هذه الدولة وتجسيدها في حياتنا العملية ، فإن الهامش الديمقراطي المتاح ، يضيف سلطة جديدة إلى حياتنا . وهي سلطة الإعلام والصحافة المعروفة بالسلطة الرابعة.
غير أن أية دولة ديمقراطية حديثة في ظل مجتمع إسلامي ، لابد أن تفسح المجال لسلطة أخرى وهي سلطة المؤسسة الدينية ، كسلطة خامسة يجب مراعاتها بحيث تؤدي الدور المناط بها في ظل الفصل بين السلطات وتعزيز الاتجاه المدني في تعاملات الدولة والمجتمع.
وإذا كانت السلطة الدينية قديمة ومتجذرة ، فإن السلطة الرابعة ما تزال فتية في المجتمع اليمني ، لكنها تتمتع بحيوية معقولة مكنتها من التصدي المبكر للسيناريو الذي أنتج هيئة الفضيلة مؤخرا.. وهي الهيئة التي أراد المخططون لها أن تجمع بين السلطتين الدينية والتنفيذية في الرقابة على المجتمع ، وتصحيح الانحرافات الأخلاقية من خلال تغيير المنكر بقوة السلطتين.
لقد أدى اضطلاع السلطة الرابعة بمسؤولياتها إلى فرملة التوجه المعد لهيئة الفضيلة وإدخال تعديلات جديدة ، حالت دون إنشاء هيئة ثابتة ( رسمية أو شعبية ) تعنى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. على اعتبار أن هذه المهمة من اختصاص الدولة في إطار السلطات الثلاث.
غير أن ملتقى العلماء والمشايخ والوجاهات الاجتماعية الذي انعقد منتصف الشهر الجاري تحت يافطة الدفاع عن الفضيلة ، لا يخرج عن سياق تعزيز السلطة الدينية ذات الطابع الشعبي كسلطة رقابية على الأقل.
أما إذا تأملنا في الشخصيات التي تبوأت التنظيم وشاركت بفاعلية في هذا الملتقى ، فإن المسألة ستتخذ أبعادا شتى ليس على الصعيد المحلي فقط ، وإنما في الإطار الإقليمي أيضا.
ولأن المجال لا يحتمل التوسع أكثر، ينبغي التأكيد مجددا على الدور التاريخي للمؤسسة الدينية ، والذي يصعب تجاهله في إطار إعادة بناء وتعزيز سلطة الدولة القانونية المدنية بعيدا عن الثيوقراطية التي تبشر بها الدولة الدينية ، ودون الوقوع_ بالضرورة _ في فخ الدولة اللا دينية التي تأخذ بالعلمانية الشاملة!

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “تسييس الفـتوى..”

  1. رمضان مبارك عليكم ،أعانكم الله على صيامه وقيامه والقيام بواجبه

    سعداء به فرحين بأجره في الدارين

    مرحومين في أوله ، مغفورين في أوسطه ، عتقاء طلقاء من النار في آخرة

    وكل عام وانتم بخير



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

دعوة للحوار