عبد الله علي صبري يرحب بكم

تأملات (2)

كتبهاabdulla sabari ، في 21 يوليو 2008 الساعة: 09:29 ص

دفاعا عن الفضيلة وأصحاب الفضيلة

عبد الله علي صبري

 كان من الطبيعي أن تتسم ردود الفعل الأولى تجاه إنشاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلادنا ، بالحدة والانفعالية وقسوة الاتهامات المتبادلة بين ثلة من الزملاء ونفر من العلماء ، وإذ يستحق عدد من الصحفيين شرف التصدي لهذه الهيئة ، فإن السجال المحتدم اليوم لا ينبغي أن يتجاهل الطرف المتفاعل مع الهيئة منذ طرحت أفكارها الأولية . فلا بد من مناقشة البعد السياسي الذي يقف وراء الفكرة ، لكي لا نقع مجددا في فخ الإلهاء السلطوي ، الذي يتعمد صرف أنظارنا عن الإختلالات الأمنية والاقتصادية التي تكاد تعصف بحاضر ومستقبل البلاد

(1)

 ما من شك أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكانة كبيرة في تعاليم الإسلام ، وقد نصت عليه آيات قرآنية وأحاديث نبوية عديدة ، وما يزال إعمال هذا المبدأ قائما في حياة المسلمين إلى ما شاء الله . ويتخذ هذا المبدأ في حياتنا المعاصرة صوراً وأشكالا عدة. ولعل ما تقوم به منظمات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان، وكذا الصحافة الحرة يندرج في هذه الخانة. ثم إن قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن حصرها في مجال معين ، الأمر الذي يجعل من الاستحالة أن تقوم هيئة بذاتها بهذه المهمة ، وهي إن ادعت أنها قادرة على ذلك ، فإنما تكلف نفسها فوق طاقتها .. هذا من زاوية حسن الظن بها ، أما إن تمادت وأصرت على مقدرتها وأحقيتها في التصدي للمنكرات وتنمية الفضيلة ، فلا شك أن وراء ذلك أهدافا خفية تستتر خلفها. من جهة أخرى فإن كثيرا من المنكرات تدور حول أجهزة الدولة ذاتها سواء لجهة التقصير في أداء هذه الأجهزة ، أو لجهة الفساد الكبير المتفشي في أورقتها ، فإذا أرادت هيئة كهذه أن تنجح في عملها ، فذلك يتعين فك الارتباط مع السلطة وأجهزة الدولة ، وتوثيق العلاقة بهيئات المجتمع المدني ، بل لو أحسن فضيلة العلماء الظن بالآخرين لوجدوا أن بإمكانهم التعاون مع كثير من الهيئات والمؤسسات المدنية ، التي تتصدى لكثير من المنكرات في المجالات السياسية والحقوقية والاجتماعية وغيرها. ربما جديد هذه الهيئة الجانب الأخلاقي ومسائل العبادات الدينية . ولا نستطيع أن نصادر على العلماء هذا الدور .. لكننا نتساءل: ألا تكفي دور المساجد ومنابرها وملحقاتها للقيام بهذا الدور؟ ولماذا يريد فضيلة العلماء إقحام الدولة في هذا المجال ، فمعروف أن للدولة ومؤسساتها وأجهزتها مهام محددة لا يدخل في إطارها تزكية الإيمان والأخلاق ، بل إن تدخل السلطة هنا إنما يفسد الدين والأخلاق . وبهذا فإن الهيئة لن تكون سوى سوط جديد تقمع به السلطة من تشاء من المواطنين باسم حماية الفضيلة والدين . ثم إذا كان بعض العلماء قد أكدوا أن أجهزة الدولة قد عجزت عن حماية الأخلاق العامة، فإن النهي عن المنكر يجب أن يتجه أولا نحو هذه الأجهزة الفاشلة

(2) 

 هيئة حماية الفضيلة والمنكرات ليست إلا واحدة من عشرات اللجان التي ترى النور بتوجيهات رئاسية ، ثم سرعان ماتتلاشى وتنحسر .. هذا لايعني أن الهيئة المرتقبة قد تلقى نفس المصير ، فالمتطوعين في هذا المجال كثر جدا ، الأمر الذي يفرض مزيدا من القلق والحذر . بيد أن الخطورة تكمن في القرار السياسي المتساهل مع مقترحات كهذه ، فهي –حال نجاحها – إنما تسحب الكثير من صلاحيات الأجهزة الحكومية ، بل قد تصبح يوما ما عبئا على السلطة ذاتها .. وهنا أتساءل : هل المسألة مجرد إرضاء للتيار السلفي ، وإقحامه في لعبة التوازنات السياسية بعد إستجابة رئيس الجمهورية لمقترحاتهم بشأن تشكيل هذه الهيئة وغيرها ؟! إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا لاتراجع السلطة سياساتها الخاطئة التي أنتجت جماعات دينية متطرفة ، لقيت في مستهل نشاطها دعما حكوميا .. وما الذي يحول مستقبلا -حال تمكين هذه الهيئة من العمل – دون بروز جماعة متطرفة جديدة قد تلجأ إلى العنف تجاه الدولة وتجاه المجتمع ….. هل هكذا يحارب التطرف والإرهاب؟

(3)

 وإذا كانت الهيئة تهدف إلى تنمية الفضيلة ، فذلك لايتحقق بالاتجاه نحو المجتمع والفساد الأخلاقي وتجاهل الحكومة والفساد السياسي ، بل إن الرذيلة لايمكن أن توأد بالقمع ، كما إن الفضيلة لن تتحقق بمجرد صدور قرار إداري ، وإذا انكب الناس على (العبادات) خوفا من السلطة ، فإنهم قد يتطرفون في المعاصي عندما يغفل ( الرقيب ) ! إننا بدون هيئة كهذه نشكو من تفشي ظاهرة النفاق الاجتماعي ، فكيف عندما تصبح سوطا مسلطا على الناس ؟ إن الإيمان والحرية متلازمان منذ بدء الخليقة ، والمجتمع المثالي ليس محله الأرض ، بل إن الفتنة والبلاء من السنن الماضية في الحياة البشرية . وخطورة الرذيلة لا تكمن في ممارستها ، بقدر ما تكمن في المجاهرة بها . خلاصة الأمر أن هيئة كهذه لايمكن أن تخدم تدين الناس وأخلاقهم ، إن لم تفسد التدين والأخلاق والضمائر الحية . والله أعلم  .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

دعوة للحوار