عبد الله علي صبري يرحب بكم

بدون تعصب

كتبهاabdulla sabari ، في 1 يونيو 2008 الساعة: 06:33 ص

التعـددية بين الـوحدة والأحـادية 

 

عبدالله علي صبري 

 

الله واحد ، وماعداه متعدد.. هذه حكمة التوحيد ، كما هي سنة التعددية .. فتوحيد الله يقتضي تعددية ما سواه ، وتعددية الأشياء تشمل المتناقضات والمتضادات والمترادفات أيضاً .. وإذا كان دين الله واحد تبعاً لوحدانيته تعالى ، فقد تعددت الشرائع والمناهج التي جاء بها الأنبياء من أجل هداية البشر .

وخاتمة هذه الشرائع الدعوة المحمدية التي ركزت بشكل رئيس على توحيد الله وإفراده بالطاعة وحده .. وإذا كانت طاعة الرسول واجبة انطلاقاً من طاعة الله ، فقد بعث الله عشرات الرسل ، فليس هناك رسول واحد ، بل رسول خاتم فحسب !  

وليس جديداً القول أن الرسول الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام ، أول من أرسى حق التعددية الدينية عندما باشر الدعوة إلى توحيد الله في مكة المكرمة ، إذ لم يطلب من قريش سوى السماح له بتبليغ دعوته ، ليؤمن بها من يشاء ، ويكفر من يشاء ، وعندما عرض عليه البعض أن يعبد آلتهم يوماً ويعبدون ربه يوماً رفض المداهنة ، معلناً بنص القرآن الكريم لكم دينكم ولي دين  

موقف آخر يؤكد أن خاتم الأنبياء كان من دعاة التعايش بين الأديان ، فعندما اشتد الأذى بالرعيل الأول من الصحابة أجاز لهم الرسول الكريم الهجرة إلى الحبشة التي كانت تدين بالمسيحية ، والشاهد أنها بلد يحكمها رجل لا يحب الظلم ، فكانت الحبشة – فيما أعلم – أول مسرح يتعايش على أرضه أتباع ديانتين مختلفتين بسلام .  

من هذا المنطلق ، وفي ضوء إقرار حق التعددية الدينية عمد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى إبرام ما عرف بـ صحيفة المدينة كدستور للتعايش بين المسلمين واليهود والوثنيين في يثرب إثر هجرة الرسول وصحبه إليها . 

وكانت الصحيفة مرجعية الجميع ، وأثبتت وقائع التاريخ إلتزام المسلمين بنصوص وروح الوثيقة حتى نقضها اليهود مرة بعد مرة ، منحازين إلى أعداد المسلمين من كفار قريش ، فكانت النتيجة فشل تجربة مهمة كادت أن تؤسس لتاريخ مغاير لولا أن البشرية لم ترتق- حينها – إلى تفهم التعايش في ظل التعددية .  

مع ذلك ، أفسح المسلمون في ظل تجربة الفتح الإسلامي مساحة معقولة – حسب ظروف الزمان والمكان – للحرية الدينية ، حيث أبقى المسلمون على ديانة وثقافة الشعوب التي فتحوها ، فبقت الديانة المسيحية في بعض المناطق العربية حتى اليوم .  

أما على صعيد الخلاف الإسلامي – الإسلامي – فقد خاض المسلمون فيما بينهم حروباً دامية ثم لما استقرت نظم الحكم بدأ التعامل مع المعارضة بالقوة والعنف ، كما أقحم الدين في تبرير سلوكيات الحكام ولم تعدم المعارضة من جهتها تبريرات دينية لمواقفها المناهضة للحكم والحاكم . 

وصبغ التعصب حياة المسلمين ، ونشأت المذاهب الإسلامية في أجواء من الخصومات التي وصلت حد تكفير وتفسيق المخالفين ، وكانت الخطورة عندما ينحاز الحاكم إلى مذهب معين ، وينكل بالمذاهب الأخرى ، وما حدث للشيعة في تاريخنا الإسلامي حقيقة دامغة على مدى الإقصاء الذي مورس من قبل السنة حكاماً ومذاهباً ، بل أن عنف الحاكم لم يوفر بعضاً من علماء السنة ذاتهم ومحنة الإمام أحمد بن حنبل في فتنة ( خلق القرآن ) دليل مضاف على نبذ التسامح في تاريخ  المسلمين ، والحرص على أحادية الفكر والمذهب ، وإن تعمدت هذه الأحادية بالدم وبالإقصاء والتهميش واستلاب الحقوق . 

إذاً فقد عجز المسلمون ومازالوا عن القبول بالتعددية في إطار الوحدة ، والتعايش فيما بينهم مع اختلاف الرؤى والمواقف ، ومازالوا يجترون التاريخ ، وخلافات السلف ، فكأنما نعيش الحاضر في عصر غابر ، ومازال التعامل السني – الشيعي يتم بنفس النمط التاريخي ، وتحضر فيه المجادلات السقيمة التي لا تحق حقاً ولا تبطل باطلاً .. ولو اقتصر الأمر على الجدل العقيم لهان الأمر ، بيد أن المسألة وصلت حد التكفير والتفسيق ، وما يزال حزب الله اللبناني الذي ضرب أروع الأمثلة في الجهاد والمقاومة ، مطعوناً في عقيدته ووطنيته ! 

وللأسف فقد استعادت الفتنة المذهبية في مجتمعاتنا العربية أمجادها الغابرة ، ووصلت شرارتها إلى اليمن المشهورة بتسامحها المذهبي ، وفي إطار هذه الفتنة شنت حملة عشواء على الشيعة الإمامية وأبدى الكثيرون بصراحة فجة أنهم يقبلون بالشيعة الزيدية ويرفضون الشيعة الإمامية ( الاثنى عشرية ) ، وأبدى آخرون من الجانب الزيدي موقفاً مماثلاً لكن من التيار السلفي ( الوهابية )! 

وما يؤسف له أكثر أن المتطرفين في كل مذهب يتبوأون المواقع المتقدمة في هذا الصراع ، بينما تنحسر العقلانية والعقلاء ، فيما المفترض أن حجتهم هي الأقوى والأمضى ، فمن غير الممكن واقعاً توحيد الناس على دين أو فكر أو مذهب أو حزب سياسي ، فلا بد من التنوع والاختلاف ، فتلك سنة كونية ، وفي ذلك إثراء للحياة ، وتيسير للناس ، دون أن يعني ذلك بالضرورة نفي الثوابت العقدية والثقافية التي لا تخل بوحدة المسلمين مع تعددهم المذهبي والسياسي ، بل ومع تعد دولهم ودويلاتهم !  

ضيق الوسطية 

ولأن الشيء بالشيء يذكر ، فقد فوجئت أن  مقالي المنشور بالعدد الماضي ، قد تعرض للبتر من قبل مقص الرقيب ولا أدري ما الذي أصاب الوسطية حتى تنزلق وتقترف هذه الخطيئة .

كان بالإمكان عدم نشر المقال ، ولا ضير في ذلك ، أما أن ينشر المقال مع حذف عدة سطور فتلك أستاذية غير مبررة !

ولن أسأل عن سبب هذا الموقف الذي لا يمكن أن يكون خطأ فنياً إنما آمل ألا يتكرر مرة أخرى ، خصوصاً أن الجمهورية مع ملحقها صحيفة عامة ، وهي ليست ملكاً للسلطة أو المعارضة ، أو هكذا يفترض .  

 

 

 
 

              

  

 
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

دعوة للحوار