لا يزال الفقه ذكوريا
كتبهاabdulla sabari ، في 16 مايو 2008 الساعة: 13:16 م
المرأة والمواطنة : بين أسلمة الحقوق وأنسنتها
عبد الله علي صبري
تهدف الشرعة الدولية لحقوق الإنسان كمنظومة متكاملة إلى إعادة الاعتبار للإنسان كل إنسان بغض النظر عن الإختلاف في اللون أو الجنس أو الدين .. وتحتل حقوق المرأة موقعاً مميزاً في هذه المنظومة .

وتواجه حقوق الإنسان معضلات شتى من بينها العادات والموروثات التي تنتقص من إنسانية المرأة ، والثقافات الدينية والفلسفية التي هضمت حقوقها ، وتعاملت معها كمتاع يستغله الذكور في ظل سيطرة الأبوية على معظم مجتمعات المعمورة .
ولعل التعاليم الإسلامية مع السيرة المحمدية قد نقلت أوضاع المرأة إلى درجة متقدمة لم تألفها البشرية من قبل ، غير أن زمن الانحطاط ، وانحسار الفكر الإٍسلامي المستنير ، وعودة العصبيات وموروثات الجاهلية ، قد نسفت ما وصلت إليه المرأة المسلمة من مكانة سامية امتازت بها عن نساء العالمين ، فكأنما حقوق المرأة ومكانتها مرتبطة بنهضة الأمة ، وتقدمها ، بل لعلي أقول أن شرط نهوض الأمة مرهون بإعادة الاعتبار للمرأة ، والتعامل بها كجناح رديف يستحيل أن نحلق في الآفاق بدونه .
من جهة أخرى تمكنت المرأة في ظل الحضارة الغربية وبالأخص فيما بعد الحرب العالمية الثانية من انتزاع الكثير من الحقوق التي أعادت للمرأة إنسانيتها ، ومنحتها أدواراً جديدة كانت حكراً على الرجال قروناً طويلة .
وليست المرأة الغربية هي النموذج الذي ندعو إلى الاحتذاء به جملة وتفصيلاً ، بيد أن وضع المرأة المسلمة اليوم كما هو وضع المجتمعات التي تعيش فيها يفتقر إلى المقومات والشروط التي ساعدت المرأة في الغرب على التحرر والاندماج في المجتمع الذكوري ، وإثبات قدرات المرأة وتساويها مع الرجل في أغلب مناحي الحياة ، دونما حاجة – بالضرورة – إلى التنازلات عن الأدوار الطبيعية والبيولوجية لكل من المرأة والرجل على حد سواء .
ثلاث دوائر
هناك ثلاث دوائر تنظم حقوق المرأة المسلمة اليوم :
- الدائرة الأولى والأشمل ، هي الدائرة الإنسانية ، فالمرأة أولاُ وقبل كل شيء إنسان مكرم لذاته ، ولها كافة الحقوق من هذا المنطلق .
- الدائرة الثانية وهي أضيق من الأولى نوعاً ما ، وهي دائرة المواطنة ، فالنظر للمرأة من هذه الزاوية يمنحها الكثير من الحقوق في مقابل الواجبات التي تفرضها شروط المواطنة .
- أما الدائرة الثالثة ، فهي خاصة بالمرأة المسلمة ، وهي دائرة الإسلام ، ووفقاً للشريعة الإٍسلامية ، فالمرأة كما الرجل مستخلفان في الأرض ، وهي مكلفة مثله ، ولها من الحقوق ما له وعليها ما عليه .
وهذه الدوائر الثلاث تفرض – بالمنطق – المساواة بين الرجل والمرأة ، فهي إنسان – مواطن – مسلم .
لكن ثمة مقولة مراوغة وردت في إعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام تنص على أن المرأة تتساوى مع الرجل في الكرامة ، وحقوقها تتساوى مع واجباتها وتستقل بشخصيتها المدنية وذمتها المالية .
ويبدو للوهلة الأولى – كما يقول باقر العفيف – أن هذه المادة عبارة عن صياغة رفيعة لحقوق المرأة في المساواة ، خاصة وأن واجبات المرأة اليوم أصبحت وبشكل مطرد تماثل واجبات الرجل مما يؤهلها للتمتع بحقوق مساوية لحقوقه . ولكن المادة بدل أن تنص على أن حقوق المرأة تساوي حقوق الرجل ، نصت على أن حقوق المرأة تساوي واجباتها ، وهي بطبيعة الحال صياغة متعمدة تضع في بالها أن المجتمع الأبوي في الأقطار الإسلامية احتفظ لنفسه دائماً بالحق في رسم الحدود التي تتحرك فيها المرأة ، واختصها من ثم بواجبات أقل من تلك التي اختصها الرجل !
ونحن هنا لن نقول أن الإٍسلام ساوى المرأة بالرجل مطلقاً ، ففي ذلك إجحاف حتى للمرأة نفسها ، فالمساواة التي ينتفي عنها التمايز لا تعدو عن كونها شطحات وتخيلات شاذة حتى وإن وجدت لها أتباع في بعض بقاع العالم .
إن إنكار أنوثة المرأة يستوي تماماً مع إنكار إنسانيتها فالمرأة إنسان حقاً ، لكنها أيضاً أنثى ذات طبيعة وخصوصية متفردة ، والذكورة لا تفضل الأنوثة بالضرورة .. فالتفاصيل إسلاميا ً ينحصر في التقوى والعمل الصالح .
فإذا اتفقنا على المساواة في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل ، لم يعد حاجة إلى التعسف في نفي أو إثبات المساواة المطلقة بين المرأة والرجل بين الذكر والأنثى.
إن التمايز الطبيعي بين الذكر والأنثى إنما يتطلب التكامل بينهما ، والتكامل هنا يعني حاجة الجنسين لبعضهما دونما إحساس بالنقص لأي طرف منهما .
وثمة شبهات تذهب إلى أن الشريعة الإسلامية لا تساوي بين المرأة والرجل في قضايا مثل الإرث والشهادة ونحوهما . ولن أخوض في الرد على هذه الأباطيل ، بقدر ما أنبه إلى أن في الإسلام قيم كبرى وكليات تحكم الجزئيات والتفاصيل ، كما في الإٍسلام مقاصد عامة لا بد من مراعاتها عند إطلاق الأحكام .
ومن أبرز هذه القيم قيمة المساواة التي تحث عليها عشرات الآيات القرآنية ، ومجمل السنة النبوية ، إضافة إلى العقل والحكمة ، وهما من مصادر التشريع .
فقه ذكوري
صحيح أن لمناهضي حقوق المرأة في المجتمع الإسلامي أسانيدهم التي يستخرجونها من النصوص القرآنية والنبوية ، غير أن قراءة هذه النصوص بشكل تعسفي يشير إلى مسألة غاية في الأهمية ، تتعلق بالفقه الإسلامي الذي تهيمن عليه الثقافة الذكورية ، وإسقاط واقع المجتمع على النصوص بدلاً من إعمال العقل في فهم النصوص والانطلاق من هذا الفهم لتغيير الواقع .
لقد سيطرت مفاهيم ذكورية عدة في النظر إلى المرأة وحقوقها في ظل العصر الذهبي للإسلام ، حيث نجد كثيراً من المواقف التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام وحيداً فيها ، منتصراً لكرامة المرأة وحقوقها .
واليوم في عصر العلم والمعرفة ، ما يزال فقه النساء بيد العلماء من الرجال ، وما يزال الدور النسوي في الفقه الإسلامي محدوداً ، إذ تتهيب كثير من النساء الاقتراب من هذه الدائرة ، وإذا اقتحمت إحداهن هذا المجال ، فإنها تغلب مسايرة الفقه الذكوري والاقتناع بما سطره السلف في مسألة المرأة .
هذا لا يعني الغياب المطلق لدور المرأة المتفقهة دينياً ، إذ برزت مؤخراً بعض الأصوات النسائية المشتغلة في الفقه والفكر الإسلامي عموما ً .. بيد أن النادر كما يقال لا حكم له ! وعليه تظل الحاجة ملحة لنساء عالمات متحررات من السيطرة الأبوية ، وقادرات على التعامل مع العصر ومتغيراته في ضوء القيم الكبرى للإسلام والمقاصد العليا للشريعة .
كما على العلماء الذكور التواضع قليلاً ، والنظر إلى المرأة وحقوقها من الزوايا الثلاث الآنفة الذكر . زاوية الأنسنة ، وزاوية المواطنة ،وزاوية الإٍسلام ، ومن المهم كذلك ألا تكون نظرتنا إلى هذا الموضوع بدافع رفع مستوى المرأة ذاتها ، أي انطلاقاً من مصلحة المرأة وحدها ، بل لا بد من ربط ذلك بحاجة المجتمع وتقدمه الحضاري ، كما يذهب مالك بن نبي .
لقد باتت حقوق المرأة اليوم على رأس الأجندة التي يمكن للدولة الإسلامية من خلالها وبواسطتها النهوض بمجتمعاتها واللحاق بركب الحضارات العالمية وأنسنتها ، وكبح جماح ماديتها المفرطة ، ولن يتحقق هذا النجاح المأمول ما دامت الاجتهادات الإسلامية تنطلق من ( أنوثة ) المرأة ، متجاهلة إنسانيتها وهو الجوهر الكامن فيها منذ بدء الخليقة !
يبقى القول أن مناهضة حقوق المرأة والإنسان عموماً من قبل البعض بدعوى العمل على أسلمة هذه الحقوق ، يصطدم بحقائق واقعية تؤكد أن الأنسنة في كثير من تجلياتها تتلاقى مع الإسلام ، بمعنى أن الأسلمة رديف آخر للأنسنة .
أي أن التجربة البشرية المتراكمة التي أنتجت حقوق الإنسان وحقوق المرأة ، لا يمكن أن تتعارض في جوهرها مع الإسلام خصوصاً إذا عرفنا أن الإسلام جاء من أجل الإنسان ، وبهدف إخراجه من الظلمات إلى النور ، ولا يمكن لأي عاقل أن ينظر إلى واقع المرأة المسلمة اليوم ، ويقول أنها الصورة المثلى التي يدعو إليها الإٍسلام !
بهذا الفهم يمكن أن نعي أهمية العلاقة بين الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وبين الشريعة الإسلامية ،ومن هذا المنطلق يجب التفاعل مع الاجتهادات العقلانية التي تجعل الشريعة متصالحة مع التجارب البشرية الواعية والناضجة متى وأينما حلت .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حقوق المرأة | السمات:حقوق المرأة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























مايو 17th, 2008 at 17 مايو 2008 9:50 ص
http://yemenifiler.maktoobblog.com/793625/قائمة_الانتساب_لإتحاد_المدونين
ندعوك اخي العزيز للأنظمام الى اتحاد المدونين العرب فرع اليمن ولستجيل ادخل الرابط اعلاه