من السابق لأوانه الجزم أن المشروع الديمقراطي ـ سفينة نجاة اليمنيين جميعا- يوشك على الغرق، فما تزال الفرص ماثلة أمام جميع العقلاء لتدارك الامر، شرط توافــــر الإرادة السياسية التي يعول عليها كثيراً في مسألة الإنفراج الذي لامعنى له إن كان مؤقتا أو تكتيكياً. فحتى الآن لم تشكل اللجنة العليا للإنتخابات، ولا يبدو انها قد تتشكل بالتوافق، مع أن الفترة التي تفصلنا عن موعد الإستحقاق الإنتخابي القادم لاتزيد عن بضعة شهور، وهناك مهام عاجلة أمام اللجنة وقد فات أوانها مايجعل تأجيل الإنتخابات مخرجاً مقبولاً، خاصة إذا استفحلت الأزمة واستعصت على الحل.
دعونا في البدء نتأمل مسارات وسيناريوهات الإنتخابات القادمة، بالنظر إلى تحركات الفاعلين السياسيين في الساحة وأبرزهم: المؤتمر الشعبي العام، واللقاء المشترك.
سيناريو الأغلبية الساحقة ليس جديدا القول أن الحزب الحاكم في حالة استنفار دائم، بل إن الأجهزة الحكومية ذاتها تبدو مسخرة دوماً للأغراض الإنتخابية، وفق توجه يهدف إلى اقصاء الفاعلين السياسيين وتهميشهم، عوضاً عن تخوينهم ومحاصرتهم وقمع أنشطتهم السلمية.
ويكاد الجهاز الإعلامي الحكومي الضخم متفرغا للمعارضة بالتضليل والتسفيه وسوق الإتهامات والأقاويل الباطلة .. وحتى لا يتحقق نوع من التكافؤ في هذا المجال، فإن الإعلام المرئي والمسموع مايزال حكراً على الحكومة التي لا تكتفي بذلك، بل عملت وتعمل على إيقاف بعض الصحف والمواقع الإلكترونية المحسوبة على اللقاء المشترك، إضافة إلى قمع الصحافيين والحريات الصحافية، ومنع الكثير من تراخيص الصحف المستوفية للشروط القانونية.
وإضافة إلى الإعلام العام، يستغل الحزب الحاكم المال العام والوظيفة العامة ومقدرات الدولة بمايخدم أهداف النظام الحاكم ويضمن ديمومته من خلال الأغلبية المريحة أو الكاسحة في المجلس النيابي، عوضا عن الوسائل الأخرى المعروفة.
الجديد هنا أن السلطة لم تعد راضية عن مجرد الأغلبية الكاسحة، فهي لم تمنع المعارضة / المشترك من المنافسة الجادة في الإنتخابات الرئاسية 2006 ، وهي المشاركة التي أربكت حسابات النظام الحاكم، وحاصرته في زاوية ضيقة يصعب بسببها المجازفة بتكرار التجربة التي قد تمنح المعارضة فرصة حقيقية للوصول إلى السلطة. لذا لم يعد سراً، أن النظام يعد العدة لإنتاج أغلبية جديدة ليست كاسحة بل ( ساحقة ) تسحق الديمقراطية وتحجم مقاعد المشترك في المجلس النيابي القادم.
ومن المؤشرات الدالة والمؤدية إلى هذا السيناريو:- - الإعلان عن التحالف الوطني الذي يضم الحزب الحاكم وعددا من الأحزاب الأخرى المحسوبة على السلطة، وهو ما يصب في خانة الفرز السياسي إلى إطارين رئيسيين: الموالاة من جهة والمعارضة من الجهة الاخرى، ولعل هذه الخطوة قد أكسبت المعارضة في اللقاء المشترك ورقة مضافة فيما يتعلق بالإنتخابات القادمة، خاصة إذا قررت كتـــلة ( الموالاة ) السير منفردة في هذا الطريق، كذلك فإن هذا الفرز يمنح بقية الأحزاب خارج كتلتي (الموالاة والمعارضة / المشترك) حيزاً أكبر للمناورة والإختيار… لكنه إختيار مكلف وباهظ الثمن، بدليل ماحدث لحزب البعث العربي الإشتراكي بعد أن سعت قيادته وعملت على الإنضمام للقاء المشترك.
- التناغم المتبادل بين مجلس التضامن الوطني/ القبلي، ورئيس الجمهورية، إذ تبدو أنشطة المجلس وكأنها بديل للمشترك لا رديف له. وفيما يتعلق بالإنتخابات القادمة من المؤكد، أن المجلس يستطيع تكوين كتلة نيابية مستقلة، ستكون محل تجاذب كتلتي الموالاة والمعارضة. وبالنسبة للحزب الحاكم، فهو يفضل التعامل والتعاون مع كتلة نفعية على التقارب مع أحزاب عريقة ومجربة، وربما يجد المشترك نفسه مضطراً للتعاون مع المجلس القبلي حال قرر مقاطعة الإنتخابات القادمة، ولعل هذا مايفسر وجود قيادات من المشترك على رأس المجلس.
- الإعلان عن ملتقى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن هيكليته ذات الطابع الحزبي (رئيس، نائب الرئيس، أمين عام، أمينان عامان مساعدان) التي توحي بتوجه نحو تفريخ محتمل لحزب الإصلاح، ذلك أن غالبية الهيئة هم من قيادات حزب الإصلاح، وإن كان البعض يرى أن الهيئة ورقة بديلة يمكن للإصلاح الإستفادة منها عندما تتعقد الأمور. ويرى البعض أن الملتقى يعد استباقا لأي تنظيم سلفي قد يكون بديلا لحزب الإصلاح.
- التقارب بين السلطة والتيار السلفي، حيث يتعاظم الحضور السلفي، مقابل الولاء للنظام وطاعته، وإذا كانت السلفية في اليمن من النوع العقائدي، فإنها قد تتحول إلى سلفية سياسية على غرار مايحدث في الكويت. وهذه ورقة قد يستخدمها المؤتمر إذا قاطعت أحزاب المشترك العملية الإنتخابية القادمة .
-إيقاف الحرب في صعدة، والعمل الدؤوب من أجل ضمان التهدئة، وتلطيف الأجواء بحيث تتمكن صعدة من خوض الإنتخابات المقبلة في مناخ آمن، مع ضمان النتائج لصالح الحزب الحاكم.
- ومن المتوقع فــــي هذا الإطــــــار إحداث إنفراج فيما يتعلق بأزمة المعتقلين سياسياً على ذمة الحراك السلمي في المحافظات الجنوبية.
سيناريو المقاطعة الإيجابية للإنتخابات منذ إعلان نتائج الإنتخابات الرئاسية في ايلول (سبتمبر) 2006، لم يصدر عن المشترك أية إشارة توحي بإمكانية مقاطعة الإنتخابات النيابية المقبلة، بل على العكس من ذلك، فقد وضع المشترك على رأس أهدافه في هذه المرحلة (إصلاح المنظومة الإنتخابية كمقدمة للإصلاح السياسي الذي ينشده المشترك ). وفي هذا الاطار انتزع المشترك اتفاقاً مهماً مع الحزب الحاكم بشأن توصيات البعثة الأوروبية المنبثقة عن تقريرها لسير الإنتخابات الرئاسية. وخلال العام 2007، خاض المشترك حوارا جادا ومسؤولا مع المؤتمر الشعبي العام، إلا أن أساليب الحزب الحاكم أفضت إلى تجميد الحوار، ليجد المشترك نفسه أمام إشكالية (القطيعة مع النظام) في الوقت الذي تمر فيه البلد بأزمات سياسية ساخنة (حرب صعدة، الإعتقالات السياسية، وقمع الحراك السلمي في المحافظات الجنوبية). هنا تفتقت
































عبد الله علي صبري 

